اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٧ أذار ٢٠٢٦
البروفيسور حسن الموسوي(*)
في آذار 2026، لم تعد الحرب مجرد وقائع عسكرية تُقاس بما تُحدثه من دمار مرئي في الأبنية والجسور والطرقات، ولا هي أرقام جامدة تُدرج في جداول الأضرار والخسائر ثم تُطوى صفحاتها. فالحرب، حين تطول، تغيّر طبيعة الاقتصاد نفسه، وتعيد تشكيل المجتمع من الداخل، وتدفع البلد، إن كان هشًّا أصلًا، إلى أن يعيش على حافة البقاء لا على أفق النهوض. وهذا هو وجه الحرب الأعمق في لبنان اليوم: فهي لا تكتفي بما تهدمه، بل تمضي أبعد من ذلك، إلى ما تستهلكه من قدرة الناس على الاحتمال، وما تستنزفه من موارد الدولة، وما تزرعه في الحياة اليومية من قلقٍ مقيم وكلفةٍ متزايدة واستنزافٍ لا ينقطع.
في هذا المعنى، لم يعد السؤال الاقتصادي الأهم في لبنان هو: كم دمّرت الحرب؟ فهذا سؤال مشروع، لكنه لم يعد كافيًا. السؤال الأشد إلحاحًا والأبعد غورًا هو: كيف تعيد الحرب توزيع الخسارة داخل المجتمع اللبناني؟ كيف تنتقل الكلفة من موضع القصف إلى موضع العيش؟ كيف يتحول الدمار من صورة مرئية في منطقة منكوبة إلى عبء يومي موزع على السكن والغذاء والتعليم والصحة والخدمات والأسواق؟ هنا تبدأ الصورة الحقيقية بالظهور، وهنا بالتحديد يتجلى معنى ما يمكن تسميته بلا تردد: اقتصاد الحرب.
فإذا بدأنا من الأرقام الصلبة، بدا المشهد فادحًا بما يكفي. إذ قدّر البنك الدولي الكلفة الاقتصادية للحرب الإسرائيلية على لبنان خلال الفترة الممتدة من 8 تشرين الأول 2023 إلى 20 كانون الأول 2024 بنحو 14 مليار دولار، في إطار زمني أوسع من حرب الـ 66 يوم التي مثّلت ذروة التصعيد في خريف 2024. توزعت هذه الكلفة بين 6.8 مليارات دولار أضرارًا مباشرة في الأصول المادية، و7.2 مليارات دولار خسائر اقتصادية ناتجة من تراجع النشاط وتعطل الأعمال وانخفاض الإنتاجية والإيرادات. كما قُدرت حاجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، وكان قطاع الإسكان في طليعة القطاعات المتضررة، فيما مُنيت التجارة والصناعة والسياحة بخسائر كبيرة قُدرت بنحو 3.4 مليارات دولار. وعلى المستوى الكلي، لم تقع الحرب فوق اقتصاد متين قادر على امتصاص الصدمات والارتداد السريع، بل فوق اقتصاد سبق أن تآكلت قاعدته وانكمش ناتجه وخسر الكثير من مناعته. لذلك لم يكن مفاجئًا أن ينتهي عام 2024 بانكماش حقيقي بلغ 7.1% بدل نمو محدود كان متوقعًا عند 0.9%، في وقت كان الناتج المحلي قد فقد أصلًا نحو 40% من حجمه التراكمي منذ عام 2019.
غير أن هذه الأرقام، على جسامتها، لا تحيط بكل الحقيقة. فهي تُظهر ما تهدّم وما تعطّل وما فُقد من دخل ونشاط، لكنها لا تكشف بما يكفي كيف تتحول الحرب، حين تطول، من موجة أذى مباشر إلى حالة استنزاف ممتدة. فالخسائر الأخطر ليست دائمًا تلك التي تُرى سريعًا في الأبنية والجسور والمنشآت، بل تلك التي تتسلل إلى دورة الحياة نفسها: مؤسسة ترجئ توسعها أو تقفل أبوابها، أسرة تعيد ترتيب إنفاقها على قاعدة الضرورة، مرفق عام يزداد هشاشة، وثقة بالمستقبل تنكمش بصمت. هنا لا نكون أمام دمار فقط، بل أمام اقتصاد يُعاد تشكيله على قاعدة الطوارئ لا على قاعدة الانتظام. ولعل النزوح الواسع هو التعبير الأوضح عن هذا الانتقال من الضرر المباشر إلى الاستنزاف اليومي الشامل.
ومن هنا فإن النزوح لا يجوز النظر إليه بوصفه مجرد مسألة إنسانية منفصلة عن الاقتصاد. في بلد مستقر ذي مؤسسات قادرة وخدمات عامة متماسكة، قد يبقى النزوح ملفًا إغاثيًا يُدار ضمن حدود معينة. أما في لبنان، حيث الدولة منهكة، والبنية الخدمية هشة، والقدرة الشرائية متآكلة، فإن النزوح يتجاوز سريعًا هذا الوصف الضيق ليغدو بنية كلفة اقتصادية واجتماعية كاملة. فالأسرة النازحة لا تحتاج إلى مأوى فحسب، بل إلى سكن قابل للاستمرار، وغذاء، ومياه، ودواء، ونقل، وتعليم، واتصال، وحد أدنى من شروط الحياة الممكنة. وحين يتسع هذا النزوح، لا تبقى كلفته محصورة في النازحين أنفسهم، بل تمتد إلى البلديات، والمدارس الرسمية، والمستشفيات الحكومية، والأسر المضيفة، والأسواق المحلية، ومجمل البنية الاجتماعية التي تُدفع دفعًا إلى العمل فوق طاقتها.
وليس قليل الدلالة أن الأمم المتحدة وشركاءها أطلقوا، بعد التصعيد الكبير الذي شهده لبنان منذ مطلع آذار 2026، نداءً إنسانيًا عاجلًا بقيمة 308.3 ملايين دولار لتمويل خطة الاستجابة الطارئة للفترة الممتدة من آذار إلى أيار 2026، لتغطية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا لنحو مليون شخص متضرر. وهذا الرقم لا يُقرأ بوصفه تقديرًا شاملًا لحجم الأزمة، بل بوصفه مؤشرًا إلى مستوى الضغط الإنساني العاجل الذي فرضته الأزمة في مرحلتها الأولى. أما دلالته الأعمق، فهي أن لبنان يواجه أزمة واسعة النطاق استدعت تعبئة دولية سريعة لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المنقذة للحياة. بيد أن هذا التمويل، على ضرورته القصوى، يظل مخصصًا للاستجابة العاجلة، لا لقياس الأعباء الاقتصادية والاجتماعية الأوسع التي يخلّفها النزوح.
هنا تحديدًا يظهر الفرق بين الضرر والاستنزاف. فالضرر المباشر يمكن، نظريًا على الأقل، أن يُحصر ويُقدَّر ويُرمَّم. أما الاستنزاف، فهو أبطأ وأعمق وأشد أثرًا، لأنه لا يقع دفعة واحدة، بل يتوزع على الأيام والأسابيع والشهور، وتتحمله الدولة والأسر والأسواق والمرافق العامة في الوقت نفسه. وفي تقدير تحليلي تحفظي، يمكن أن تتراوح الكلفة السنوية للإقامة والمعيشة والخدمات الأساسية للفرد النازح بين 2000 و2500 دولار، تبعًا لاختلاف أوضاع الإقامة وكلفة الخدمات وحجم الدعم المتاح. وإذا ما اقترن ذلك بنزوح واسع النطاق يطال مئات الآلاف، فإن لبنان يكون أمام أعباء سنوية قد تتجاوز 1.6 مليار دولار، وقد تقترب من 2.5 مليار دولار في بعض السيناريوهات الواسعة. وليس المقصود بهذا التقدير الادعاء بأنه إحصاء رسمي نهائي، بل الإشارة إلى الحجم الحقيقي للعبء حين يُقاس بميزان الاقتصاد لا بميزان الإغاثة وحده. وهكذا لا تبقى الحرب محصورة في الحدود أو في موضع القصف، بل تدخل إلى الموازنة اليومية للأسرة، وإلى قدرة المؤسسة على دفع كلفها، وإلى إمكانية المدرسة والمستشفى والبلدية على الاستمرار. وهذا ما يجعل اقتصاد الحرب أخطر من مجرد فاتورة دمار؛ إنه نمط من إعادة توزيع الخسارة على المجتمع كله.
والحرب، في هذا المستوى، لا تدمر فقط، بل تعيد توزيع الفقر. فهي لا تُبقي الخسارة حيث وقع القصف، بل تنقلها إلى أماكن أخرى وفئات أخرى. الأسر النازحة تستنزف ما بقي لها من مدخرات، والأسر المضيفة تتحمل أعباء إضافية، والبلديات تجد نفسها أمام ضغط يتجاوز قدرتها المالية والإدارية، فيما تتعرض الإيجارات والخدمات لاختلالات متزايدة. أما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فلا تحتاج إلى أن تُقصف كي تتضرر؛ يكفي أن تتعطل الحركة، وتضعف القدرة الشرائية، وترتفع المخاطر، وتتراجع الثقة. وهنا تتبدى إحدى أخطر حقائق هذه المرحلة: المجتمع يظل يتحرك، لكنه لا يتقدم؛ تُصرف الأموال، لكن لا تتكوّن طاقات إنتاجية جديدة؛ تُدار الحياة، لكن على قاعدة النجاة لا على قاعدة التنمية.
ثم إن أخطر ما في الحروب ليس دائمًا ما يظهر أولًا في تقارير الأضرار، بل ما يتكشف لاحقًا في صمت. فثمة خسائر مادية تُقاس بسهولة: منزل تهدم، جسر دُمّر، مؤسسة أقفلت، ناتج انكمش. لكن ثمة خسائر أخرى أشد وطأة وأقل قابلية للقياس المباشر: طلاب ينقطعون عن التعليم أو يتلقونه في ظروف مضطربة، مؤسسات ترجئ استثماراتها أو تلغيها، كفاءات تغادر، مخاطر البلد ترتفع في نظر المستثمرين، والثقة العامة بالمستقبل تنحسر أكثر فأكثر. هذه هي الكلفة غير المرئية، وهي في المدى البعيد قد تكون أفدح من الحجر المهدّم نفسه. فإعادة بناء الحجر، مهما استعصت، قد تكون أيسر من إعادة بناء الثقة. وتعويض الخسائر المادية، مهما ارتفع ثمنه، قد يكون أهون من إعادة تشغيل اقتصاد تعوّد على الصدمات، ومجتمع أُنهك من الاكتفاء بإدارة الأزمات بدل تجاوزها.
من هنا، فإن أي كلام جدي عن إدارة الأزمة لا يجوز أن يقف عند حدود الإغاثة أو عند لغة الإعمار المؤجل. فلبنان يحتاج إلى إدارة اقتصادية فعلية للأزمة، لا إلى ردود فعل متفرقة. يحتاج إلى وضوح في التمييز بين ثلاث فواتير مختلفة: فاتورة الإغاثة العاجلة، وفاتورة التعافي السريع، وفاتورة إعادة الإعمار. ويحتاج كذلك إلى أولوية واضحة لدعم المرافق والخدمات المحلية التي تتحمل العبء اليومي الفعلي، لا إلى الاكتفاء بخطاب عام عن المساعدات. ففي حزيران 2025 أقر البنك الدولي تمويلًا بقيمة 250 مليون دولار لدعم الإصلاحات الأكثر إلحاحًا وإعادة تأهيل البنية التحتية العامة والخدمات الأساسية في المناطق المتضررة، وهو تمويل مهم بلا شك، لكنه يظل مرتبطًا، في أثره الفعلي، بقدرة الدولة على حسن توظيفه وتحديد الأولويات وترجمة التمويل إلى نتائج ملموسة على الأرض. فالمال، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده إذا غابت قدرة الدولة على تحديد الأولويات وحسن التنفيذ، ولا يُغني عن رؤية واضحة ومتماسكة لإدارة الأزمة في لحظة بهذا القدر من القسوة.
صحيح أن بعض مؤشرات الاستقرار النسبي ظهرت في الاقتصاد اللبناني خلال 2025، حتى إن البنك الدولي أشار إلى نمو متوقع بنسبة 4.7% لذلك العام مدفوعًا بتعافٍ محدود في السياحة والاستهلاك وبعض التقدم الإصلاحي وتراجع نسبي في حدة الشلل السياسي، لكن هذا الاستقرار ظل هشًا بطبيعته ومشروطًا بسياق أمني غير منفجر. ولذلك، فإن أي تصعيد واسع في 2026 لا يضرب اقتصادًا خرج من أزمته، بل يضرب اقتصادًا ما يزال هشًّا، وتبقى أي مكتسبات فيه قابلة للتبدد السريع تحت ضغط الحرب.
لهذا كله، فإن لبنان لا يواجه اليوم حربًا تُقاس فقط بما دمّرته، بل يواجه حربًا تعيد تشكيل اقتصاده تحت الضغط، وتدفعه إلى التكيّف مع الطوارئ بدل العودة إلى الاستقرار. هناك أضرار مباشرة جسيمة، وخسائر اقتصادية ثقيلة، ونزوح واسع يفرض أعباء متزايدة، وتمويل إنساني كبير لا يكفي وحده لضبط الفاتورة الفعلية. لكن الأخطر من ذلك كله هو احتمال أن تصبح هذه الكلفة وضعًا مزمنًا، وأن يعتاد البلد إنفاق موارده المحدودة على البقاء في حدّه الأدنى، بدل توظيفها في الإنتاج والاستثمار واستعادة المستقبل.
ومن ثم، فإن السؤال الملح لم يعد فقط: كم كلّفت الحرب لبنان؟ بل كيف نمنع كلفة الحرب من أن تتحول إلى بنية دائمة في الاقتصاد والمجتمع؟ فالحروب لا تترك خرابًا ماديًا فحسب؛ أحيانًا تترك بلدًا كاملًا يعيش طويلًا في منطق الخراب، حتى بعد أن يسكت القصف.
(*)أستاذ جامعي وخبير
في الشؤون الاقتصادية والمالية











































































