اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
مرة جديدة، يجد لبنان نفسه في قلب معركة تتجاوز حدوده وقدرته وقراره. ليس لأنه اختار المواجهة، بل لأنه بات ساحة لتصفية حسابات أكبر من دولته، وأعمق من أزماته، وأخطر من هشاشته الداخلية. فالمشهد اليوم لا يختصر بجبهة مشتعلة في الجنوب، بل يتمدد إلى صراع مفتوح على شكل لبنان المقبل: لبنان السلاح، أو لبنان التسوية، أو لبنان المعلّق بينهما إلى أجل غير معلوم.
في هذه اللحظة، يبدو حزب الله مصمماً على أن لا تسبق السياسة الميدان. بالنسبة إليه، لا قيمة لأي تفاوض إذا لم يمر أولاً عبر ميزان القوة. لا تهدئة من موقع التراجع، ولا تسوية من تحت الضغط، ولا تفاوض قبل تثبيت أن الحزب ما زال قادراً على فرض الكلفة ومنع خصومه من ترجمة الحرب إلى إملاءات سياسية. من هنا، لا يتعامل الحزب مع المعركة بوصفها مجرد مواجهة حدودية، بل باعتبارها معركة شروط وموقع ونفوذ.غير أن هذا المنطق، مهما امتلك من صلابة سياسية أو عقائدية، يصطدم بحقيقة لا يمكن القفز فوقها: فارق القوة الهائل بين إسرائيل ولبنان، لا بين إسرائيل والحزب فقط. وهنا تكمن إحدى أخطر المعضلات. فحين تُدار المواجهة بمنطق الإرادة أو الصمود المجرد، من دون احتساب كافٍ لحجم الاختلال العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، يصبح البلد كله عرضة لأن يدفع أثماناً تتجاوز بكثير حدود الرسائل الميدانية المقصودة. وفي بلد متهالك أصلاً، لا تعود الكلفة مجرد خسائر عسكرية، بل تتحول إلى تهديد مباشر لما تبقى من الدولة والاقتصاد والمجتمع.في المقابل، لا تبدو إسرائيل في وارد القبول بعودة عقارب الساعة إلى الوراء. فهي لا تريد مجرد وقف للنار، بل تريد وقفاً لمصدر التهديد نفسه. ومن هذا المنطلق، تتعامل تل أبيب مع هذه المواجهة على أنها فرصة لإعادة صياغة الواقع الأمني في لبنان، لا فقط لترميم الردع. فالمطلوب إسرائيلياً لم يعد يقتصر على إبعاد الخطر، بل يتصل مباشرة بمصير سلاح حزب الله، ودوره، وانتشاره، وقدرته على فرض معادلة الردع مستقبلاً.لكن الأخطر من الحرب نفسها، هو أن يستمر لبنان في العيش داخل هذه المعادلة القاتلة: إما سلاح يفاوض بالنار، وإما عدو يفرض شروطه بالنار. لأن هذا المسار، مهما طال أو تبدلت جولاته، لا ينتج في النهاية إلا مزيداً من التآكل للدولة، ومزيداً من الانكشاف الوطني، ومزيداً من الارتهان لموازين قوى خارجية لا ترحم أحداً.من هنا، لا يعود السؤال الحقيقي: من يربح جولة الميدان؟ بل: كيف يخرج لبنان نفسه من منطق الجولات؟ وكيف يستعيد حقه الطبيعي بأن يكون هو، عبر دولته، صاحب قرار الحرب والسلم والتفاوض والحماية؟هنا بالذات، تبرز مبادرة الرئيس جوزف عون بوصفها المخرج الأكثر واقعية والأقل كلفة والأكثر انسجاماً مع مصلحة لبنان. لا لأنها تقدم حلولاً سحرية، ولا لأنها تلغي تعقيدات الصراع، بل لأنها تعيد وضع القضية في مكانها الطبيعي: داخل الدولة، لا خارجها. فجوهر أي مقاربة جدية اليوم يجب أن يبدأ من تثبيت مرجعية الدولة اللبنانية، وتحصين موقعها التفاوضي، واستعادة حقها الحصري في إدارة الأمن الوطني والعلاقات الدولية، بدل أن يبقى البلد أسير معادلات ميدانية مفتوحة لا يملك تحمل نتائجها.إن الالتفاف حول هذه المبادرة لا يعني الاستسلام، ولا يعني التخلي عن عناصر القوة الوطنية، بل يعني ببساطة إخراج لبنان من منطق الانتحار البطيء. لأن القوة، في لحظة اختلال إقليمي ودولي بهذا الحجم، لا تعود فقط في القدرة على الصمود، بل في القدرة على حماية الكيان نفسه من الانهيار الكامل. وهذا لا يتحقق إلا حين تصبح الدولة هي المظلة الوحيدة، والمرجعية الوحيدة، والمسار الوحيد.
وسط هذا الانسداد، تبرز أيضاً المحاولات المصرية للتهدئة كجزء من جهد عربي أوسع لمنع الانفجار الكبير. غير أن أي وساطة، مهما كانت جدية، ستبقى محدودة الأثر إذا لم يقابلها قرار لبناني داخلي واضح بالانتقال من منطق إدارة الاشتباك إلى منطق استعادة الدولة. فلبنان لا يحتاج فقط إلى وقف نار، بل يحتاج إلى وقف











































































