اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٨ أذار ٢٠٢٦
خاص الهديل….
بقلم: ناصر شرارة
تقع نسبة عالية من مشاكل لبنان في أنه لم يعد يملك نخبة تستطيع أن تدير نقاشاً حول مشاكله وحول قضاياه الخلافية.
هذا التوصيف ليس ترفاً فكرياً؛ بل هو حقيقة ويوجد عليه دلائل وشواهد في الإعلام وفي تبادل الكلمات بين الأحزاب، الخ..
في بداية الاستقلال برزت خلافات كبيرة حول كل شيء؛ وحتى كان هناك خلاف حول تحديد يوم الاستقلال ذاته(!!)، هل هو يوم خروج الزعماء اللبنانيين من سجن راشيا كما أراد بشارة الخوري، أم هو يوم إعلان مجلس النواب الاستقلال كما أراد رياض الصلح..
.. وحتى موضوع مضمون الدستور كان عليه خلاف جوهري نظراً لكونه يخص علاقة الدستور بكيفية تظهير 'فكرة الميثاقية'؛ فهناك من طالب بأن يكتب في الدستور أن رئاسة لبنان للموارنة، وهناك من رفض ذلك.
والخلاصة هنا هو لفت النظر إلى أنه كان موجوداً آنذاك خلافات؛ ولكن – وهذا هو الأهم – كان موجوداً آنذاك، ما لم يعد موجوداً الآن، وهو حسن إدارة النقاش حول الخلافات وحول قضاياها.
قال الصلحيون حينها (نسبة لرياض الصلح) ان الميثاقية – أي التعاضد بين اللبنانيين على التعايش ضمن تقليد تقاسم الرئاسات الثلاث – هي روح بينما الدستور هو جسد؛ والجسد يفنى ويمرض ويتغير، بينما الروح تبقى خالدة. ولأن الدستور جسد فهو يتغير، ولذلك يجب إبقاء الميثاقية خارجه لأنها روح لبنان التي لا تفنى، ولا يجب أن تفنى.
كان الخلاف يعيش داخل مفهوم غنى الديموقراطية اللبنانية؛ وكان يمكن تحويله لنقاش فلسفي؛ أما اليوم فقدرات لبنان تقف عن حدود أنها لا تستطيع أخذ النقاش إلى أبعد من السجال؛ ولذلك تصبح الخلافات مستنقعاً آسناً لا يمكن حلها؛ وحتى لا يمكن التعايش معها بوصفها تنوعات في الرأي.
قد تكون هذه اللحظة بما تحمله من أخطار ووقائع؛ هي ليست الوقت المناسب لفتح هذا النوع من المقاربات للمشاكل الداخلية المستوطنة في مستنقع السجال الآسن؛ وعليه سيكون مفيداً عرض الوضع الداخلي انطلاقاً من عنوان آخر كما لاحظ دبلوماسي محنك زار مؤخراً لبنان؛ ومفاد ملاحظته كانت التالي: لاحظ المراقب بسهولة أن المواجهة اللبنانية الداخلية في هذه اللحظة تجري بين فريقين أحدهما يريد التعامل مع أكبر حرب جارية في المنطقة على أساس أن نتائجها جاءت لصالح مشروعه الداخلي؛ علماً أن هذه الحرب لم تضع أوزارها بعد، وربما تستقر نتائجها على كوارث على الجميع.. وهذا الفريق عبر تبرعه بالمغالاة بالتدخل سياسياً في هذه الحرب إنما يورط البلد بخطوات سياسية خطرها الأساسي أنها تريد استباق النتائج السياسية لهذه الحرب، ما يجعل بلده يدفع أثمان نتائج الحرب قبل نهايتها؛ ولبنان بوضعه الراهن بغنى عن كل هذا الأمر.
أما الفريق الثاني فهو يعتبر أنه إذا شارك عسكرياً في الحرب فهو سيحصد خيرات نتائجها، وهذا الفريق أيضاً يحمل لبنان مغامرة لا طاقة له عليها.
وهكذا يلاحظ هذا الدبلوماسي أن كل واحد من هذين الفريقين المتواجهين ينتقد الآخر لأنه يتدخل بالحرب سواء عسكرياً أو سياسياً. بمعنى آخر هما – أي الفريقين – لهما ذات الشكوى ضد بعضهما البعض، أي التدخل في الحرب إما عسكرياً كما يتهم الفريق الأول الثاني، وإما سياسياً كما ينتقد ثانيهما الأول؛ فيما لبنان يشكو من كليهما، لأن مصلحته تكمن بعدم تدخله لا سياسياً ولا عسكرياً بهذه الحرب.
أهم ما في ملاحظة هذا الدبلوماسي هي أنها تدخل بعض الأوكسجين إلى غرفة النقاش أو السجال الداخلي، كون هذه الغرفة لم يعد فيها إلا القليل من الهواء الصالح للتنفس.











































































