اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٦ أذار ٢٠٢٦
رائد عزت محمود
لم يعد الشرق الأوسط الذي عرفه العالم طوال العقود الماضية كما كان. ما نشهده اليوم في المنطقة يتجاوز بكثير حدود الأزمات التقليدية أو الحروب الإقليمية المتكررة. فالمشهد الحالي يوحي بأن المنطقة تقف عند نقطة تحول تاريخية عميقة، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى مع ثروات الطاقة والممرات الاقتصادية التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد العالمي.
إن قراءة الأحداث الجارية على أنها مجرد صراع بين دول أو مواجهة عسكرية محدودة قد تكون قراءة سطحية لا تلتقط الصورة الكاملة. فالحروب الكبرى في التاريخ غالباً ما تكون نتيجة تحولات أعمق في ميزان القوة العالمي، وعادة ما تكون الطاقة والممرات التجارية في قلب هذه التحوّلات.
اليوم، يقف الشرق الأوسط في مركز هذه المعادلة. فهذه المنطقة لا تحتوي فقط على بعض من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، بل تقع أيضاً عند تقاطع أهم الممرات البحرية التي تمر عبرها التجارة العالمية. ومن هنا تأتي أهميتها الاستراتيجية التي تجعلها محوراً دائماً للتنافس الدولي.
يمرّ ما يقارب خُمس النفط العالمي عبر مضيق هرمز، بينما يشكّل باب المندب بوابة حيوية تربط الخليج العربي بالبحر الأحمر ومنه إلى قناة السويس. هذه القناة، بدورها، تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية التي تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا. وإلى جانب ذلك، تبرز نقاط استراتيجية أخرى مثل مضيقي البوسفور والدردنيل اللذين يربطان البحر الأسود بالبحر المتوسط، إضافة إلى جبل طارق الذي يشكّل المدخل الغربي للمتوسط نحو المحيط الأطلسي.
هذه الممرات ليست مجرد نقاط جغرافية على الخريطة، بل هي عقد أساسية في شبكة الاقتصاد العالمي. فالتجارة الدولية والطاقة العالمية تعتمد بشكل كبير على استقرار هذه المسارات البحرية. أي اضطراب فيها يمكن أن ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، من أسعار النفط إلى حركة البضائع وسلاسل الإمداد.
وفي قلب هذه المعادلة تقف الطاقة. فبرغم الحديث المتزايد عن التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، ما يزال النفط والغاز يشكلان المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي. الصناعات الثقيلة، النقل البحري والجوي، والاقتصاد الصناعي بأكمله يعتمد إلى حد كبير على هذه الموارد.
ولذلك، فإن السيطرة على مصادر الطاقة لا تعني فقط امتلاك ثروة طبيعية، بل تعني امتلاك نفوذ سياسي واستراتيجي هائل. الدول التي تتحكم في إنتاج الطاقة أو في مسارات نقلها تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وفي موازين القوة بين الدول.
هنا يتقاطع الشرق الأوسط مرة أخرى مع الصراع الأكبر الذي يشكّل ملامح النظام الدولي اليوم: التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي. فالعالم يشهد انتقالاً تدريجياً من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث لم تعد قوة واحدة قادرة على فرض هيمنتها الكاملة كما كان الحال بعد نهاية الحرب الباردة.
في هذا السياق، أصبحت الطاقة والممرات الاقتصادية أدوات استراتيجية في هذا التنافس. الدول الكبرى تدرك أن السيطرة المباشرة على الموارد لم تعد دائماً ضرورية بقدر السيطرة على طرق نقلها وتأمين تدفقها. ومن هنا تصبح الممرات البحرية وخطوط الطاقة جزءاً من معادلة القوة العالمية.
كما أن دول المنطقة نفسها لم تعد مجرد ساحات للصراع الدولي، بل أصبحت أطرافاً فاعلة في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فبعضها يسعى إلى تعزيز دوره كمركز للطاقة أو كممر استراتيجي للتجارة العالمية، بينما تحاول دول أخرى بناء تحالفات إقليمية جديدة تمنحها وزناً أكبر في المعادلة الدولية.
لكن التحوّلات الكبرى في التاريخ نادراً ما تحدث دون توترات وصراعات. فكل مرحلة انتقالية في النظام الدولي غالباً ما تكون مصحوبة بأزمات سياسية واقتصادية وحتى عسكرية. وهذا ما يجعل الشرق الأوسط اليوم يبدو وكأنه يقف عند مفترق طرق بين نظام قديم يتراجع ونظام جديد لم تكتمل ملامحه بعد.
في ظل هذه التحوّلات، يصبح من الواضح أن ما يحدث في المنطقة لا يمكن فصله عن معركة أوسع حول مستقبل الاقتصاد العالمي ومصادر الطاقة ومسارات التجارة الدولية. فالصراع الدائر ليس فقط حول النفوذ السياسي أو الأمني، بل حول من سيملك مفاتيح الاقتصاد العالمي في العقود القادمة.
وإذا كان التاريخ يقدّم درساً ثابتاً، فهو أن السيطرة على الطاقة والممرات التجارية كانت دائماً أحد أهم مصادر القوة في العالم. الإمبراطوريات القديمة سيطرت على طرق التجارة البرية والبحرية، والقوى الكبرى في العصر الحديث بنت نفوذها على التحكّم في البحار والمحيطات.
اليوم، ومع تسارع التحوّلات في النظام الدولي، يبدو أن الشرق الأوسط يقف مرة أخرى في قلب هذه المعادلة التاريخية. فالمنطقة التي شكّلت لعقود مركزاً للطاقة العالمية قد تصبح أيضاً نقطة الانطلاق لإعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية في العالم.
ما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد فصل جديد في تاريخ الصراعات الإقليمية، بل ربما يكون بداية مرحلة أوسع يعاد فيها تعريف النفوذ والقوة في النظام الدولي. مرحلة تتداخل فيها الطاقة والجغرافيا والاقتصاد لتصنع ملامح عالم جديد ما زال في طور التشكّل.











































































