اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٣١ أذار ٢٠٢٦
ما يجري في المنطقة لم يعد يُختصر بعنوان حرب مفتوحة، ولا يمكن في المقابل احتواؤه ضمن توصيف تفاوضي تقليدي يجري في الغرف المغلقة. نحن أمام لحظة إعادة تشكيل قسرية للإقليم، تُدار بالنار كما تُدار بالضغط، وتُصاغ تحت وطأة ميزان قوة يجري تعديله بالقوة العسكرية لا عبر التفاهمات الهادئة. ولهذا، لا تبدو الحرب الحالية متجهة إلى نهاية سريعة، لأنها لم تُفتح فقط من أجل الضرب، بل من أجل تغيير ما بعد الضرب.
من هنا، يصبح من الخطأ النظر إلى استمرار المواجهة على أنه دليل على تعثر التفاوض، كما يصبح من السذاجة التعامل مع التفاوض بوصفه مؤشراً كافياً إلى قرب التهدئة. في الواقع، الحرب والتفاوض ليسا مسارين متوازيين، بل مساراً واحداً بأداتين مختلفتين. النار هنا ليست نقيض السياسة، بل وسيلتها الأكثر خشونة. أما التفاوض، فلا يُفتح إلا حين تنجح القوة في تعديل الشروط ودفع الخصم إلى الطاولة من موقع أقل تماسكاً وأضعف قدرة على المناورة.
هذا هو لبّ المشهد الراهن. المطلوب ليس فقط إنهاك إيران أو إيلامها عسكرياً، بل إخضاعها لميزان جديد، وإرغامها على التعاطي مع واقع مختلف عن ذلك الذي راكمته خلال السنوات الماضية. فالولايات المتحدة لا تبحث عن تفاوض يعيد تدوير الأزمة، ولا عن تهدئة تبقي لطهران هامش الحركة نفسه. ما تسعى إليه هو تفاوض يولد من تحت النار، ويُفضي إلى إيران أقل قدرة على التأثير، وأضيق هامشاً في الحركة، وأقل امتلاكاً لأوراق القوة الإقليمية التي بنتها على مدى عقود.
لكن المسألة، في جوهرها، لا تتعلق بإيران وحدها. فحين يزحف الجيش الأميركي بهذا الحجم إلى الشرق الأوسط، لا يعود الأمر مجرد استجابة دفاعية أو رفع مستوى الجهوزية في لحظة توتر. هذا النوع من الحشود لا يحمل فقط دلالة عسكرية، بل يكشف قراراً سياسياً واستراتيجياً أكبر: الولايات المتحدة لا تتحضر فقط لإدارة الحرب، بل لإدارة نتائجها. هي لا تريد فقط أن ترى خصومها يتراجعون، بل أن تضمن أن ما سينتج عن هذه الحرب سيولد تحت سقفها، وضمن خرائطها، وبما ينسجم مع مصالحها العليا.
وفي الشرق الأوسط، لا تُقاس نهاية الحروب بلحظة صمت الجبهات، بل بلحظة الحسم في سؤال أكثر عمقاً: من يملك المفاصل؟ من يمسك بالممرات البحرية؟ من يضبط أمن الخليج؟ من يحدد حدود الدور الإيراني؟ من يضمن أمن إسرائيل في الترتيب الإقليمي المقبل؟ ومن يقرر أي دول تبقى ضمن المدار الأميركي وأي قوى تُدفع إلى الانكفاء؟ هذه ليست هوامش جانبية في المشهد، بل هي جوهر المعركة الفعلية. ولهذا، لا يمكن النظر إلى الحشد الأميركي بوصفه غطاءً للنار فقط، بل باعتباره أداة للسيطرة على ما بعد النار.
واشنطن تدرك أن الحروب من هذا النوع لا تنتج فقط خسائر عسكرية، بل تُنتج أيضاً فراغات سياسية وأمنية، ومساحات رخوة، وخرائط نفوذ قابلة لإعادة التشكيل. وهي لا تريد أن تدفع كلفة الحرب ثم تترك غيرها يقطف ثمارها. لا تريد أن تُفتح الجبهات ثم يُسمح لروسيا أو الصين أو حتى القوى الإقليمية الصاعدة بأن تستثمر الفوضى وتعيد توظيفها لمصلحتها. ولهذا، فإن الوجود الأميركي الكثيف لا يُقرأ فقط كرسالة ردع، بل كنوع من إعلان ملكية مسبقة للنتائج.
من هنا، لا تبدو المنطقة أمام حرب عابرة بقدر ما تبدو أمام مرحلة تأسيسية قاسية. حرب يُعاد عبرها ضبط السلوك، وتفاوض يُستخدم لتثبيت التراجع، وحشد أميركي يُراد منه ضمان ألا يخرج ما بعد الحرب عن الإرادة الأميركية. وبذلك، لا تعود المعركة محصورة بإيران كهدف مباشر، بل تتسع لتطال شكل الشرق الأوسط نفسه: من يحكم إيقاعه، من يرسم حدوده الأمنية، ومن يملك حق توزيع النفوذ فيه لسنوات وربما لعقود.
الحرب لا تستمر لأنها استعصت على النهاية، بل لأنها لم تبدأ من أجل نهاية سريعة أصلاً. لقد بدأت لتُنتج واقعاً جديداً، وتفرض توازناً جديداً، وتفتح باب تفاوض لا يشبه ما سبقه. أما الحشد الأميركي، فليس مجرد استنفار عسكري في لحظة توتر، بل اليد التي تريد أن تمسك بخاتمة المشهد قبل أن تُكتب.
وفي الشرق الأوسط، حين تجتمع النار والتفاوض والجيوش الكبرى في لحظة واحدة، لا يكون ذلك مؤشراً إلى اقتراب النهاية، بل إلى أن المنطقة نفسها تُعاد كتابتها بالقوة.











































































