اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٥ شباط ٢٠٢٦
ما إن تميل الشمس نحو الغروب، وتصبغ الأفق بخيوط الشفق الأحمر، حتى تسكن الحركة في شوارع الحواضر العربية، وتشرئب الآذان نحو جهة واحدة: «القلعة» أو «المرتفع» حيث يربض مدفع رمضان. هذا الدوي الهائل الذي يصدح في أرجاء المدن، ليس مجرد صوت انفجار بارودي، بل هو «نوتة موسيقية» تعلن فك القيد عن الصائمين، وإيذاناً بانطلاق ملحمة الإفطار. من القاهرة التي شهدت ولادته صدفة، إلى قلاع الخليج وجبال الشام ومغارب الأمة، يظل مدفع رمضان «أيقونة الصوت» التي وحدت العرب على مائدة واحدة عبر القرون. •صدفة «خوشقدم».. ميلاد الأسطورة في القاهرة تروي المصادر التاريخية، ولا سيما ما ذكره المؤرخون في أرشيف القاهرة، أن مدفع رمضان ولد نتيجة «صدفة» تاريخية بحتة. يذكر المؤرخ الجبرتي في «عجائب الآثار» أن القاهرة في عهد السلطان المملوكي «خوشقدم» (القرن الخامس عشر) شهدت وصول مدفع جديد كهدية للسلطان. وفي يوم غرة رمضان، وعند غروب الشمس، أراد السلطان تجربة المدفع، فانطلقت القذيفة في نفس لحظة أذان المغرب تماماً. ظن الناس أن السلطان استحدث هذا التقليد لإعلامهم بموعد الإفطار، فخرجوا في تظاهرات شكر نحو القلعة. وعندما رأى السلطان فرحة الناس، قرر تحويل التجربة إلى تقليد يومي. وتضيف الروايات أن «الحاجة فاطمة» ابنة السلطان كانت هي المحرك الرئيسي لاستمرار هذا الطقس وتطويره ليشمل السحور والإمساك، ولهذا يُطلق المصريون حتى اليوم على مدفع القلعة اسم «مدفع الحاجة فاطمة».
•دول الخليج العربي.. هيبة «القلعة» وصوت الصحراء انتقل تقليد المدفع إلى دول الخليج العربي ليصبح جزءاً أصيلاً من هيبة الدولة الرمضانية، حيث ارتبط بـ «القلاع التاريخية» التي كانت تحمي المدن. في السعودية يُعد «مدفع مكة» فوق جبل هندي من أشهر المدافع التاريخية، حيث كان دويّه يتردد في شعاب مكة وبين جبالها السبعة، ليسمعه المعتمرون وأهل مكة في تناغم فريد مع أذان الحرم المكي. وفي الرياض والمدينة، كان المدفع يُنصب في الساحات الكبرى بعهدة رجال الأمن الذين يرتدون الزي التقليدي، في مشهد يمزج بين العسكرية والروحانية.
•في الكويت والإمارات: يُعد مدفع «قصر نايف» في الكويت مقصداً للعائلات والأطفال الذين يتجمعون حوله قبل الغروب لمشاهدة لحظة الإطلاق. وفي الإمارات، وتحديداً في دبي (عند قلعة الفهيدي) والشارقة، يُعتبر المدفع جزءاً من الهوية الوطنية؛ حيث يُشرف عليه أفراد من الشرطة، ويُبث الإطلاق على الهواء مباشرة كجزء من مراسم الدولة الرسمية لاستقبال الصائمين. في قطر والبحرين يربض المدفع في «ساحة الوجبة» بقطر و«قلعة البحرين»، حيث تُستخدم المدافع البريطانية القديمة التي تم ترميمها لتعمل بالذخيرة الصوتية (الفشنك)، محافظين على النبرة العميقة التي توقظ الوجدان.
•بلاد الشام وفلسطين.. «صوت القلعة» وتحدي البقاء في دمشق، يذكر المؤرخ ابن كنان في «يوميات شامية» أن مدفع رمضان كان يُوضع فوق جبل قاسيون ليعم صوته «الغوطة» بأكملها. وفي بيروت، كان المدفع يُطلق من «تلة الخياط» وقبلها من القلعة البحرية، وكان صوت المدفع البيروتي يمثل الإشارة الرسمية التي تعتمدها القرى الجبلية المطلة على الساحل. أما في فلسطين، فللمدفع حكاية صمود وتراث. في القدس المحتلة، يبرز «مدفع القدس» التاريخي في «مقبرة المجاهدين» بصلاح الدين. يذكر الباحثون المقدسيون أن عائلة «صندوقة» المقدسية توارثت مهمة إطلاق المدفع لأكثر من قرن من الزمان. ورغم كل محاولات الاحتلال لتقييد هذا الطقس، يظل صوت المدفع في القدس رمزاً للسيادة العربية والهوية الإسلامية للمدينة، حيث يربط بين سكان البلدة القديمة وزوار المسجد الأقصى.
•المغرب العربي.. «البارود» ومراسم القصبة في المغرب والجزائر وتونس، يأخذ المدفع طابعاً احتفالياً عريقاً. يذكر المؤرخون في المغرب أن تقليد المدفع بدأ في العصر المريني، حيث كان يُطلق من فوق أسوار مدينة فاس والرباط. في تونس، يرتبط المدفع بـ «برج السبع» بساحة القصبة، حيث يجتمع التونسيون في الساحة لسماع دويّه الذي يسبق أذان جامع الزيتونة. وفي الجزائر، يُسمى «المدفع» بـ «البوجي»، ويحرص الجزائريون على أن يكون صوته قوياً بما يكفي ليصل إلى الأحياء الضيقة في «القصبة» العتيقة، حيث تعلو زغاريد النساء فور سماع القذيفة الأولى، إيذاناً ببدء السهرة الرمضانية.
•العراق واليمن.. من «سوق الشورجة» إلى «قلعة صيرة» في العراق يذكر الباحثون في التراث البغدادي أن المدفع كان يُنصب في «ساحة الميدان» قرب وزارة الدفاع القديمة. وكان البغداديون يراقبون تصاعد الدخان من المدفع قبل سماع الصوت، نظراً لسرعة الضوء التي تفوق الصوت، في طقس عائلي محبب. المدفع العراقي كان يمثل «ساعة المدينة» التي تضبط إيقاع محلات الحلوى في سوق الشورجة وشارع الرشيد. في اليمن يبرز مدفع مدينة «عدن» التاريخي، الذي كان يُطلق من فوق «قلعة صيرة» المطلة على البحر. يذكر المؤرخ الحجري أن اليمنيين في صنعاء كانوا يعتمدون على «الشهب الضوئية» التي ترافق إطلاق المدفع في المناطق الجبلية الوعرة، لضمان وصول الإشارة للقرى المعلقة بين السحاب.
•السودان وموريتانيا.. بساطة الطقس وعمق الرمز في السودان رغم انتشار الراديو، يظل لمدفع «أم درمان» سحر خاص. يرتبط المدفع في الوجدان السوداني بلحظة «الهدوء المفاجئ» التي تعقب صخب النهار، حيث يخرج الصبية إلى الشوارع لتقليد صوت المدفع فور سماعه، في احتفالية شعبية بسيطة وعميقة. في موريتانيا نظراً لطبيعة البادية، كان «المدفع» يُستعاض عنه أحياناً بـ «البنادق» (المكاحل) التي يُطلقها الوجهاء في القرى، ولكن في العاصمة نواكشوط، يظل المدفع الرسمي هو الحكم والعدل في تحديد موعد الإمساك والإفطار.
•مدفع «السحور» و«الإمساك».. إدارة الزمن الرمضاني لم يكن المدفع للإفطار فقط، بل كانت هناك «ثلاثية المدافع»: مدفع الإفطار، مدفع السحور، ومدفع الإمساك (الكفاف). يذكر القلقشندي في «صبح الأعشى» أن تنظيم هذه المدافع كان يتطلب دقة فلكية عالية، حيث كان يُشرف عليها «المؤقتون» في المساجد الكبرى. مدفع الإمساك تحديداً كان يُسمى «التحذير»، وكان الهدف منه تنبيه الناس للتوقف عن الطعام قبل أذان الفجر بفترة وجيزة، وهو ما يعكس دقة المجتمع العربي في إدارة زمنه الروحي. **** إن مدفع رمضان ليس مجرد آلة حربية صامتة، بل هو «لسان حال» أمة تحتفي بقدسية الوقت. ورغم التطور التكنولوجي ووجود الساعات الذكية والتطبيقات الرقمية، يظل دويّ المدفع هو «الصوت الحلال» الذي ترتاح له النفوس، وتطمئن له القلوب. سيظل هذا الصوت يربط الأرض بالسماء، والماضي بالحاضر، معلناً في كل غروب أن رمضان ليس صوماً عن الطعام فحسب، بل هو مهرجان للوحدة العربية التي يجمعها «صوت واحد» وقبلة واحدة.











































































