اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
لا تُفهم الجغرافيا السياسية لليمن إلا بوصفها جغرافيا ممرٍّ قبل أن تكون جغرافيا دولة. فاليمن يتربّع على الزاوية الجنوبية الغربية لشبه الجزيرة العربية، مطلاً على البحر الأحمر غرباً وخليج عدن وبحر العرب جنوباً، ويشرف على مضيق باب المندب الذي لا يتجاوز عرضه نحو ثلاثين كيلومتراً عند أضيق نقاطه، وتقسمه جزيرة ميون (بريم) إلى قناتين. هذا الموقع جعل اليمن، عبر ثلاثة آلاف عام، نقطة التقاء بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، وبين آسيا وأفريقيا وأوروبا. فتاريخ اليمن هو في جوهره تاريخ تنافس القوى الكبرى على هذا الممر: تعلو قيمته حين تمرّ التجارة عبره، وتخبو حين تلتفّ حوله، ثم تعود فتشتعل.
تاريخياً وفي الألف الأول قبل الميلاد، بنت ممالك سبأ ومعين وقتبان وحضرموت ثروتها على طريق البخور واللبان الذي ربط جنوب الجزيرة العربية بغزة ودمشق، وكان سدّ مأرب رمزاً لدولة زراعية تجارية منظّمة. ومع إتقان الملاحين لنظام الرياح الموسمية قرابة القرن الأول قبل الميلاد، انتقل الثقل من القوافل البرية إلى السفن، فبرز ميناءا عدن ومُوزا (قرب المخا) محطتين رئيسيتين بين الهند ومصر الرومانية، ومن هنا أطلق الرومان على هذه البلاد اسم «العربية السعيدة». ثم ورثت مملكة حِمْيَر هذه المكانة، ونجحت في القرن الرابع الميلادي في توحيد اليمن كله تحت سلطة واحدة تتحكم في طرفي التجارة البرية والبحرية.
ولأن الممر ثمين، صار اليمن ساحة لصراع القوى الكبرى مبكراً:
● عام 523 م: اضطهد الملك الحميري يوسف ذو نواس نصارى نجران. ● عام 525 م: تدخّلت مملكة أكسوم الحبشية بدعم بيزنطي وأسقطت الدولة الحميرية. ● عام 570 م: حكم القائد الحبشي أبرهة اليمن، وارتبط اسمه بحملة «عام الفيل» على مكة. ● عام 575 م: استنجد سيف بن ذي يزن بكسرى، فأرسل حملة بقيادة وهرزطردت الأحباش، ليصبح اليمن ولاية فارسية تطلّ منها الإمبراطورية الساسانية على البحر الأحمر في مواجهة بيزنطة. ● عام 628 م: أعلن الوالي الفارسي باذان إسلامه، فدخل اليمن في الدولة الإسلامية. وبلغت عدن ذروة ازدهارها حين غدت مستودعاً لتجارة الهند والصين ومصر المملوكية.
وقد شكّل عام 1498 منعطفاً حاداً؛ إذ بلغ البرتغالي فاسكو دا غاما الهند بعد الدوران حول رأس الرجاء الصالح، فانفتح طريق بحري يربط آسيا بأوروبا متجاوزاً البحر الأحمر ووسطاءه. ولم يكتفِ البرتغاليون بالالتفاف، بل سعوا إلى خنق الطريق المنافس، فهاجم أفونسو دي ألبوكيرك عدن عام 1513 وفشل في اقتحامها. وفي مواجهة هذا الخطر دخل المماليك ثم العثمانيون إلى اليمن، واستولى الأسطول العثماني بقيادة سليمان باشا على عدن عام 1538. غير أن المقاومة الزيدية بقيادة الإمام القاسم بن محمد وأبنائه أخرجت العثمانيين عام 1635.
وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر وجد اليمن دوراً بديلاً عبر ميناء المخا الذي كاد يحتكر تجارة البن العالمية، وأقامت فيه شركتا الهند الشرقية الإنجليزية والهولندية وكالات تجارية. لكن الشريان الأكبر للتجارة ظلّ يمرّ حول أفريقيا لا عبر باب المندب.
وقد أدركت بريطانيا مبكراً قيمة عدن في حماية طريقها إلى الهند، فاحتلها الكابتن ستافورد هينز في 19 كانون الثاني 1839. وبعد ثلاثين عاماً جاء الحدث الذي قلب المعادلة: افتتاح قناة السويس في 17 تشرين الثاني 1869. فقد اختصرت القناة الرحلة بين لندن وبومباي بآلاف الأميال، وأعادت البحر الأحمر شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية، فتحوّل باب المندب من ممر إقليمي إلى البوابة الجنوبية لأقصر طريق بين أوروبا وآسيا. وصارت عدن من أهم محطات تزويد السفن بالفحم في العالم، فيما عاد العثمانيون إلى صنعاء عام 1872 لموازنة الوجود البريطاني. وتكرّس انقسام اليمن بخط الحدود الأنجلو-عثماني الذي أُقرّ عام 1914، وهو انقسام ورثت آثاره الدولتان اليمنيتان طوال القرن العشرين.
بعد صلح دعّان عام 1911 بين الإمام يحيى حميد الدين والعثمانيين، استقلّ الشمال عام 1918 باسم المملكة المتوكلية. وخاض الإمام يحيى حرباً مع السعودية عام 1934م انتهت بمعاهدة الطائف، ثم اغتيل عام 1948. وفي 26 ايلول 1962 أطاحت ثورة بقيادة عبد الله السلال بالإمامة، فاندلعت حرب أهلية تحوّلت إلى صراع إقليمي: أرسل جمال عبد الناصر عشرات الآلاف من الجنود دعماً للجمهوريين، فيما ساندت السعودية الملكيين، حتى المصالحة عام 1970.
وفي الجنوب، أطلقت ثورة 14 تشرين الأول 1963 الكفاح المسلح، فانسحبت بريطانيا في 30 تشرين الثاني 1967، وقامت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الموالية للاتحاد السوفيتي، فغدت عدن موطئ قدم لموسكو على المضيق. وتجلّت قيمة باب المندب العسكرية في حرب تشرين 1973، حين أغلقته البحرية المصرية أمام الملاحة الإسرائيلية. ثم توحّد الشطران في العام 1990 بقيادة علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض، قبل أن تنفجر حرب صيف 1994.
دخل اليمن القرن الحادي والعشرين بوصفه ساحة أمنية دولية؛ فقد استُهدفت المدمرة الأمريكية «كول» في ميناء عدن في 12 تشرين الأول 2000. وبعد احتجاجات 2011، سيطرت جماعة الحوثيين على صنعاء في 21 ايلول 2014، وأطلق التحالف بقيادة السعودية عملية «عاصفة الحزم» في 26 آذار 2015.
ومنذ تشرين الثاني 2023، أعادت هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر إنتاج مفارقة القرن الخامس عشر: فقد اضطرت كبرى شركات الشحن إلى تحويل مسار سفنها مجدداً حول رأس الرجاء الصالح، بتكلفة أعلى وزمن أطول، وكأن التاريخ يعيد رسم خريطة 1498.
إن المعضلة الحالية في باب المندب لا تقتصر على الأبعاد العسكرية والجغرافية فحسب، بل تمتد لتفرض تحديات قانونية معقدة على شركات الشحن والتأمين والتجارة العالمية، مما يستدعي إعادة النظر في عقود الملاحة البحرية وحماية حقوق الترانزيت وفق أحكام القانون البحري والتجارة الدولية.
إن المسار التاريخي لليمن يكشف ان موقعه هو نعمة تجارية ونقمة جيوسياسية في آن. فكلما ارتفعت قيمة باب المندب في التجارة العالمية، ازدادت شهية القوى الخارجية للتحكم فيه، وتعمّقت هشاشة الدولة اليمنية. ولن يتحوّل هذا الموقع من مصدر صراع إلى مصدر ازدهار إلا بدولة يمنية مستقرة قادرة على حماية الممر، لا على مقايضته.











































































