اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
بيروت ـ جويل رياشي
«كبرت في لبنان خلال الحرب الأهلية، في بيئة كان من المفترض أن تكون غنية بالمياه، لكن انقطاع الماء وانهيار البنية التحتية كانا جزءا من تفاصيل حياتنا اليومية. كنا ننتظر الصهاريج، نخزن المياه في الخزانات فوق الأسطح، ونقلق في كل مرة نفتح فيها الحنفية: هل ستنقطع؟ هل هذه المياه آمنة أصلا؟ هذه التجربة لم تكن مجرد ظرف مؤقت، بل شكلت وعيي بأن المياه ليست موردا تقنيا فقط، بل مسألة كرامة وأمن وصحة واستقرار».
الكلام لرجل الأعمال اللبناني المهندس وليد خوري، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة ديسالتكس، متحدثا إلى «الأنباء»، وهو من ضمن الفائزين العالميين بجائزة UpLink لإدارة المياه التابعة لمنتدى الاقتصاد العالمي، والمعلن عنها هذا الأسبوع بالتوازي مع الاجتماع السنوي للمنتدى في دافوس.
ما هي جائزة UpLink لإدارة المياه؟ هي برنامج ابتكار رائد تابع لمنتدى الاقتصاد العالمي، يهدف إلى تحديد ودعم «رواد المياه»، أي المبتكرين الذين يطورون حلولا عملية لإدارة أنظمة المياه عبر البنية التحتية والزراعة والتكنولوجيا والطاقة. وتعد جزءا من مبادرة عالمية أوسع لدعم الحلول التي تعالج تحديات المياه والمناخ.
ويتابع خوري حديثه لـ «الأنباء»: «اليوم، بعد سنوات من العمل في أفريقيا والأسواق الناشئة، أرى أن ما عشته في طفولتي يتكرر في عدة بلدان عربية: شح، تلوث، بنى تحتية منهكة، وانعدام ثقة الناس في مياه الشبكات العامة. بالنسبة إلى، أن أحصل على جائزة عالمية في مجال إدارة المياه في هذه اللحظة بالذات، هو اعتراف بأن قصتنا نحن ـ قصة لبنان والمنطقة التي عانت من الأزمات ـ يمكن أن تتحول إلى حلول، وأن صوت المهندس العربي يمكن أن يكون جزءا من طاولة القرار العالمي، لا متفرجا على ما يقرره الآخرون».
وعما تعنيه له هذه الجائزة يقول: «أولا، إنها رسالة أمل: أن الحلول لا يجب أن تأتي دائما من الشمال إلى الجنوب، يمكن أن تولد من تجاربنا نحن، من أنهارنا الملوثة، ومدننا العطشى، ومهندسينا الذين يعملون في ظروف صعبة. ثانيا، أنها مسؤولية: أن نستخدم هذه المنصة لدفع نقاش مختلف حول المياه في منطقتنا، نقاش مبني على البيانات والابتكار، لا على الإنكار أو التسويف. وثالثا، أنها دعوة للجيل الجديد من المهندسين ورواد الأعمال في العالم العربي: مستقبلكم ليس أن تهربوا من الأزمات فقط، بل أن تبنوا حلولا تجعل العالم يأتي إليكم ليتعلم منكم».
ويذكر ان لبنان يواجه اليوم واحدة من أخطر أزمات المياه في تاريخه الحديث، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل البيئية والهيكلية والاقتصادية. فقد أدى الضغط المناخي المتزايد إلى انخفاض معدلات الأمطار بأكثر من 50% خلال الأعوام الأخيرة، ما تسبب بنقص حاد في الموارد المائية في مختلف المناطق. وتفاقم هذا الواقع مع تضرر البنية التحتية للمياه بفعل الحروب والأزمات، حيث لحقت أضرار جسيمة بشبكات الإمداد ومنشآت المعالجة ومحطات الطاقة الكهرومائية، ما حد من قدرتها على تلبية الحاجات الأساسية للسكان.
وقد انعكست هذه الأزمة بشكل مباشر على الوضع الإنساني والمعيشي، إذ بات ملايين اللبنانيين يعتمدون على مياه الصهاريج المكلفة وغير المضمونة الجودة، وأصبحت مياه الشرب الموثوقة بعيدة المنال عن شريحة واسعة من الأسر. كما تراجع الإنتاج الزراعي بشكل ملحوظ بسبب شح المياه، ما يهدد سبل العيش والأمن الغذائي، وأدى إلى تآكل الثقة العامة بمياه الصنبور التي توفرها الشبكات الرسمية.
وتكمن المفارقة في أن لبنان كان يعرف تاريخيا بكونه بلدا غنيا بالمياه بفضل وفرة الأنهار والينابيع والأمطار. إلا أن هذا الواقع تغير جذريا، وبات البلد اليوم مهددا بانهيار شامل في منظومته المائية ما لم تعتمد إصلاحات عاجلة، واستثمارات جدية، وتحديث جذري في إدارة الموارد المائية يواكب التحديات المناخية والإنمائية الراهنة.











































































