اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
يبقى 'حصر السلاح' المسار الوحيد الثابت في لبنان، وبموازاته هناك 'استعادة الدولة' و'التعافي الاقتصادي' بما في ذلك إعادة الإعمار، لكنها مرتبطة جميعاً بمعضلة السلاح. فكلما تأخر طيّ هذا الملف، وهو مرشح لأن يطول أكثر مما كان متصوَّراً، كلما ظهر 'حزب إيران/ حزب الله' قطباً متحدّياً للدولة، بموازاة العدو الإسرائيلي كقطبٍ آخر. وهذه مكانة حصّلها 'الحزب' بواسطة سلاحه غير الشرعي، ولذلك فهو لن يتخلّى عنه لئلا يفقد تأثيره في الداخل. وفي أحسن الأحوال، لن يفاوض 'الحزب' على مصير سلاحه إلا إذا عُرضت عليه 'تسوية' تمنحه مكسباً سياسياً في تركيبة النظام، أو 'حصة دفاعية' خاصة به في اطار ما يسميه 'استراتيجية الأمن الوطني'. وهو يريد الاثنتين معاً: الأولى تستوجب تعديل 'دستور الطائف'، والثانية تمثّل بالنسبة إليه المخرج اللائق لمسألة السلاح.
لكنه لم يعد يستحقّهما أياً تكن مبرراته، فالتمنيات شيء والممكن شيء آخر، وقد طرأت متغيّرات على ما يعتقد 'الحزب' أنه يستحقه لقاء 'تضحياته' وما تستطيع الدولة تقديمه- 'صوناً للسلم الأهلي'- وما يتوجب عليها أن تحجبه لكي تكون حقّاً دولة… كل ذلك يدخل في الحسابات الداخلية خلال التعامل مع السلاح، إلا أن هذا السلاح غدا مسألة خارجية، وحتى دولية وإقليمية. فيوم قال الأمين العام الراحل أن كل ما يملكه 'حزبه' ('سلاحنا وأكلنا وشربنا…') جاءه من 'الجمهورية الإسلامية' في إيران، كان يخاطب الداخل الضعيف أمامه، لكن الخارج خصوصاً الغربي أخذ هذا الاستقواء في الاعتبار، وهو يحاسبه عليه الآن ويسعى الى مكافحة تمويله في اطار المواجهة الشاملة مع إيران. لكن إيران لم تعد على الصورة التي كانت تقدّم بها نفسها منذ ضُربت منتصف حزيران الماضي ولا تزال مهددة ما لم تقدم على تنازلات جوهرية، نووية وصاروخية، ستكرّس تراجعها.
في الزيارة الأخيرة (المفتعلة) لبيروت، حاول الوزير عباس عراقجي أن يتذاكى. خاطبه المسؤولون اللبنانيون بلغة واحدة ('أوقفوا تدخلكم في شؤون لبنان والزِموا الحزب بالتعاون مع الدولة لأن لا خيار آخر أمامه')، وهو ردّ لإسماع الأميركيين والإسرائيليين وغيرهم بأن إيران 'تدعم الحزب ولا تتدخل في شؤونه'، وكأن هذا 'الدعم' ليس تدخلاً أو كأن لبنان لم يتيقن بعد بأنه 'دعم تخريبي'.
يمكن التساؤل متى ستحسم الدولة أمرها وتقرر منع زيارات المسؤولين الإيرانيين طالما أن نظام طهران مصرٌّ على لعب أسوأ الأدوار ضد لبنان، فكما أن 'سلاح الحزب' صار 'عبئاً' كما وصفه رئيس الجمهورية فإن إيران برهنت منذ زمن ولا تزال أنها تتقصّد زعزعة استقرار البلد بكل ما يعنيه ذلك سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وعندما يزور أي مسؤول إيراني بيروت فإنه يأتي لتذكير أركان الدولة (والدول الأحرى المعنيّة) بأن طهران تملك 'ورقة السلاح' وتنتظر من يساومها على مصيره، ولا تعتبر لبنان مؤهلاً لمساومة كهذه. ان استمرار العلاقة مع إيران، رغم كل مخاطره على الأمن الوطني، لا يخدم استحقاق 'حصر السلاح' بل يشكّل حافزاً اضافياً لعناد 'الحزب' وتشبثه بسلاحه. أكثر من ذلك، انه يتيح لإيران قناة أو قنوات للتآمر على الحكم الحالي في سوريا، سواء مع فلول النظام السابق أو مع غيرهم.
مع اقتراب المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بين نهرَيْ الليطاني والأولي، ستتأزّم العلاقة أكثر فأكثر بين الدولة و'الحزب'، وقد لجأ الأخير الى بيئته المذهبية لتوجيه الشتائم الى رئيس الجمهورية بعدما كانت تركّز على رئيس الحكومة، لكن مواقفهما باتت واضحة وثابتة ولا تراجع عنها. في هذا المجال كان على وزير الخارجية أن يتفادى سقطة الإقرار بـ 'حق إسرائيل' في مواصلة اعتداءاتها، لأنه يعلم أن القانون الدولي يعترف باتفاق وقف إطلاق النار الذي يجب أن يُنفّذه طرفا الحرب، أما 'الحق' الذي أشار اليه فهو 'تفاهم' ألحقته واشنطن وإسرائيل بالاتفاق الأساسي، لكنه يُوظّف عملياً لتعطيل مفاعيل ذلك الاتفاق الذي تستند إليه الدولة اللبنانية في مجالين: ترتيبات 'حصر السلاح'، مفاوضات 'الميكانزم' للمطالبة بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة.
لا شك أن عزم الدولة على الانتقال الى المرحلة الثانية من 'حصر السلاح' هو ما حسم التردد في استجابة المطالبة بدعم الجيش ومدّه بقدرات عسكرية اضافية. لكن الدول المدعوّة الى مؤتمر دعم الجيش (باريس 5 آذار) ستدقّق قبل ذلك بالخطة التي سيقدمها الجيش (5 شباط) ومدى جدّيتها. فالإقبال الملحوظ للموفدين على بيروت، وتجديد 'المظلة الخماسية'، وعقد مؤتمر تمهيدي في الدوحة، شكّلت تحفيزاً للدولة على المضي في توجّهاتها وتأكيداً دولياً- عربياً مجدداً لإيران و'حزبها' بأن 'حصر السلاح' بل نزعه ليس خياراً لبنانياً فحسب، وأن ما يتوقعه لبنان من دعم للاقتصاد وإعادة الاعمار لا يمكن أن يتحقق ما دام هناك سلاح خارج سلطة الدولة.
سيواصل 'الحزب' المعاندة والتهديد بـ 'حرب أهلية' وغير ذلك، لكنه بعدما شهدته إيران من اضطرابات أصبح مضطراً للنظر بواقعية الى وضعه، خصوصاً أن إيران مضطرة بدورها الى مراجعة عميقة وشاملة لسياساتها في سياق اتجاهها الى معاودة التفاوض مع الولايات المتحدة. فهذه المرّة ستعود طهران وهي عارفة تماماً ما هي الشروط الأميركية من دون أن يعني ذلك أنها ستذعن لها بل أن تتعامل معها بجدّية، وعليها أيضاً أن تأخذ في الاعتبار أن تجربة خمس جولات من التفاوض أفضت الى حرب الـ 12 يوما في حزيران الماضي، وبالتالي فإن الجانب الأميركي أثبت أنه غير مستعد لمفاوضات مديدة وبلا نهاية، وإلا فإن الحرب التي كانت شبه وشيكة قبل أيام ستشتعل فعلاً بعد أن تكمل أميركا واسرائيل استعداداتهما. قد لا يكون الهدف بالضرورة اسقاط النظام، إذ أن اجباره على التنازل قد يكون أكثر جدوى طالما أنه يريد التخلّص من العقوبات في نهاية المطاف لئلا يواجه انتفاضات شعبية قد تصبح أكثر خطورة.











































































