اخبار اليمن
موقع كل يوم -سبأ نت
نشر بتاريخ: ٣١ أذار ٢٠٢٦
غزة - سبأ:
في قطاعٍ أنهكته الحرب وتآكلت فيه تفاصيل الحياة اليومية، تتسلّل مأساة جديدة بصمتٍ ثقيل.. مأساة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُفقد الناس أغلى ما يملكون: البصر.
في غزة، يقف آلاف المرضى اليوم على حافة العمى، بعدما تحوّلت أمراض عيون كان يمكن علاجها إلى أحكام قاسية بفقدان النظر، نتيجة استمرار منع إدخال الأجهزة والمستلزمات الطبية الضرورية، وتدهور النظام الصحي بشكل غير مسبوق. وبينما تتكدّس الحالات على قوائم الانتظار، تتضاءل فرصة الإنقاذ يومًا بعد يوم، في سباق غير متكافئ مع الزمن.
داخل أروقة مستشفى متخصص أنهكته الظروف، يصف مدير مستشفى سانت جون لطب وجراحة العيون، وليد شقورة، لـ وكالة (شهاب) الفلسطينية، الوضع بأنه “كارثي بصمت”.
ويؤكد أن المستشفى، الذي كان يُعد مركزًا رئيسيًا لاستقبال مرضى العيون في القطاع، بات يعمل بإمكانيات محدودة للغاية بعد تعرضه لأضرار جسيمة، فيما توقفت العمليات الجراحية تقريبًا بسبب نقص المستهلكات الأساسية مثل العدسات والخيوط الجراحية، رغم جاهزية غرف العمليات.
ويضيف أن محاولات إدخال المواد الطبية عبر جهات دولية لم تُثمر حتى الآن، في ظل استمرار القيود، ما أدى إلى شلل شبه كامل في التدخلات الجراحية، حتى البسيطة منها مثل عمليات المياه البيضاء. أما الفحوصات والتشخيص، فعادت بشكل جزئي فقط، لا يكفي لمواجهة حجم الكارثة المتفاقمة.
وفي ظل هذا الواقع، تتكشف أرقام صادمة: نحو 9 آلاف مريض على قوائم الانتظار، ونقص يصل إلى 90% في الأجهزة التشخيصية، بينما يواجه مرضى السكري والجلوكوما والمياه البيضاء تدهورًا متسارعًا قد يقود إلى فقدان دائم للبصر. الأطفال أيضًا ليسوا بعيدين عن هذه الدائرة القاسية، إذ يواجه المصابون بالمياه البيضاء الخلقية خطر مضاعفات لا يمكن تداركها في حال تأخر العلاج.
وتتوافق هذه التحذيرات مع ما تشير إليه بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، التي تؤكد تسجيل نحو 17 ألف إصابة في العيون منذ بدء الحرب، بينها آلاف الأطفال، وفقدان أكثر من 3 آلاف شخص للبصر بشكل جزئي أو كلي، مع استمرار تزايد الحالات المهددة بالعمى نتيجة نقص العلاج والتجهيزات.
كما تحذر الوزارة من أن استمرار منع إدخال المعدات الطبية، إلى جانب تضرر البنية التحتية الصحية، ينذر بارتفاع متسارع في أعداد فاقدي البصر، في ظل ضغط هائل على ما تبقى من قدرات القطاع الصحي المنهك.
وتؤكد كذلك تحذيرات منظمة الصحة العالمية أن تقييد وصول الإمدادات الطبية يفاقم الأزمة الإنسانية والصحية، ويهدد بتقويض قدرة المستشفيات على تقديم الحد الأدنى من الرعاية التخصصية، بما في ذلك طب العيون.
لكن خلف الأرقام والتقارير، هناك قصص إنسانية أكثر قسوة.. مرضى ينتظرون بصيص أمل، وأطفال يخشون أن تكون آخر صورة يرونها هي بداية عتمة طويلة.
في نهاية المشهد، لا تبدو الأزمة مجرد نقص أجهزة أو أدوية، بل اختبارًا قاسيًا لإنسانية العالم كله. فبينما تُغلق غرف العمليات أبوابها تدريجيًا، يبقى السؤال الأثقل: كم من البصر يجب أن يُفقد قبل أن يُسمح للضوء بالدخول؟
إكــس













































