اخبار لبنان
موقع كل يوم -نافذة العرب
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
في 10 مارس 2024، بعد مقتل ثلاثة من عناصر 'قوات الفجر' التابعة لـ'الجماعة الإسلامية' في غارة إسرائيلية على منطقة الهبارية، نظّمت 'الجماعة' مراسم تشييع في بيروت انطلقت من مسجد الإمام علي في منطقة طريق الجديدة. وأثارت مشاركة مسلحين ملثمين في التشييع استياءً وسط شريحة من سكان المنطقة، مما ألقى الضوء على جدل أوسع حول موقع 'الجماعة الإسلامية' وعلاقتها بمحور إيران و'حزب الله'.
ورغم أن الرفض لفكرة الاحتلال الإسرائيلي وقضية فلسطين ظلت ثابتة في الوعي السنّي اللبناني، فقد طرأ تحوّل واضح على مواقف قسم واسع من البيئة السنّية تجاه الانخراط في النزاعات الإقليمية، خصوصًا منذ أحداث 7 مايو 2008 ثم مع الثورة السورية وتدخل 'حزب الله' وإيران فيها. إذ باتت قطاعات كبيرة من السنة تفضّل التمسك بالدولة ومشروع الدبلوماسية، مع عزوف متزايد عن المشاركة في حروب لم تجلب للبنان سوى الخسائر.
في هذا الإطار، يتصاعد النقاش داخل 'الجماعة الإسلامية' بشأن مستقبلها السياسي، لا سيما قضية الفصل بين النشاط الدعوي والعمل السياسي، إلى جانب إعادة تفعيل 'حزب الإصلاح والتنمية'. يعود هذا المشروع إلى تسعينيات القرن الماضي، مع وجود وثيقة سياسية مؤرخة عام 1999، وعاد اسمه إلى الواجهة في فترات لاحقة، ويرتبط حاليًا بشكل رئيسي بشخصيات مثل الأمين العام السابق عزام الأيوبي والنائب السابق عماد الحوت.
الأمر لا يقتصر على خلاف تنظيمي داخلي فحسب، بل يعكس اختلافًا سياسيًا جوهريًا بين قيادة الجماعة الحالية بقيادة محمد طقوش، التي تميل إلى تقارب مع 'محور الممانعة'، وبين تيار آخر يدعو إلى استقلال أكبر عن هذا المحور، ويشدد على دور الدولة واحتكارها للسلاح.
وتبرز تركيا كعامل محوري لفهم هذا التحوّل، فالعلاقات معها ليست جديدة، وقد تحدث عزام الأيوبي سابقًا عن الاستفادة من التجربة التركية، لكن التغير اليوم يكمن في الواقع الإقليمي الجديد حيث تراجع النفوذ الإيراني في عدة ساحات، فيما أصبحت تركيا لاعبًا إقليميًا فاعلًا، مع تبدل في معادلات الأزمة السورية.
وفقًا لمعلومات متداولة، يحظى مشروع 'الإصلاح والتنمية' باهتمام ودعم تركي، واذا ما تحوَّل هذا الدعم إلى دعم سياسي رسمي، فقد يمنح المشروع دفعة قوية، ويفتح المجال لتقاطع أكبر مع سوريا وقطر.
يفوق النموذج الذي تتبناه تركيا مجرد مواجهة النفوذ الإيراني، إذ يقوم على رؤية مختلفة للإسلام السياسي ترتكز على دولة ومؤسسات ديمقراطية، وانتخابات، وتنمية اقتصادية، مع تجنب تحويل الداخل اللبناني إلى ساحة دائمة للصراعات الإقليمية.
هذا النموذج قد يجد صدى في أوساط من السنة اللبنانيين الذين يرغبون في الحفاظ على دعمهم للقضية الفلسطينية، مع السعي في الوقت ذاته إلى قيام دولة قوية ذات اقتصاد منتج وقرار مستقل في مسائل الحرب والسلم.
ومن هنا، قد تشكل عودة حزب 'الإصلاح والتنمية' أكثر من مجرد انشقاق داخل 'الجماعة الإسلامية'، بل محاولة لإعادة تعريف الإسلام السياسي السنّي في لبنان عبر الفصل بين العمل الدعوي والسياسي، وتحويل الحزب إلى إطار سياسي مستقل يشارك في الانتخابات ويعمل ضمن مؤسسات الدولة.
مع ذلك، لا يضمن نجاح المشروع الاقتصار على الابتعاد عن إيران أو التقارب مع تركيا، إذ يحتاج الشارع السنّي إلى رؤية واضحة تشمل القضايا الاقتصادية والدولة والسلاح، بالإضافة إلى مواقف متزنة تجاه سوريا وفلسطين والعالم العربي.
وبناء عليه، فإن السؤال الأساسي لا يقتصر على 'من خرج من الجماعة الإسلامية؟'، بل يتجلى في 'إلى أين يتجه السُنة في لبنان؟'؛ فإذا تمكن حزب 'الإصلاح والتنمية' من ترسيخ وجوده، فقد نشهد تحولًا مهمًا في التيار الإسلامي السياسي السنّي اللبناني من سياسة المحاور إلى سياسة الدولة











































































