اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١١ أذار ٢٠٢٦
خبير الدفاع والأمن العقيد ديفيد ب. دي روش في مقابلة حصرية مع The Beiruter:
بينما يدخل الشرق الأوسط إحدى أكثر مراحله تقلبًا في السنوات الأخيرة، تعيد التحالفات المتغيرة، وتصاعد النزاعات، والمواجهة المتنامية بين إسرائيل وإيران تشكيل المشهد الاستراتيجي في المنطقة. وفي مقابلة حصرية مع The Beiruter، يستعرض العقيد ديفيد ب. دي روش، خبير الدفاع والأمن، التداعيات الجيوسياسية لهذه التطورات ويقيّم ما قد تعنيه للبنان ولتوازن القوى الإقليمي على نطاق أوسع.
وبحسب دي روش، فإن سلسلة الأحداث التي أطلقت شرارة التصعيد الإقليمي الحالي بدأت بهجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول، وهو الحدث الذي يصفه بأنه المحفّز الاستراتيجي الأبرز في دورة الصراع الحالية. وقد وقع الهجوم في وقت كان فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعاني ضعفًا سياسيًا، وكان، بحسب تعبير دي روش، على وشك الانقراض السياسي. إلا أن الأزمة غيّرت موقع نتنياهو السياسي من خلال تحويل التركيز من الجدل السياسي الداخلي إلى قيادة الأمن القومي، وهو المجال الذي لطالما برز فيه نتنياهو تاريخيًا.وقد أدى دخول حزب الله لاحقًا إلى الصراع إلى تصعيد الوضع أكثر، إذ وفّر، بحسب وصف دي روش، الذريعة لحملة عسكرية لم يكن كثيرون يتوقعون حجمها أو فعاليتها. وفي الوقت نفسه، أعادت التطورات الإقليمية تشكيل المشهد بصورة إضافية مع انهيار دكتاتورية الأسد في سوريا، وهو ما يقول دي روش إنه حدث إلى حد كبير نتيجة عوامل أخرى، لكنه مع ذلك عزز الفرصة الاستراتيجية أمام نتنياهو لمواجهة إيران بشكل أكثر مباشرة. وقد اتسعت تلك الفرصة عندما تخلّت إيران، بحسب تقديره، عن القاعدة غير المعلنة التي استمرت طويلًا، والتي كانت تقضي بتجنّب إسرائيل وإيران مهاجمة بعضهما البعض مباشرة.ومع وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض، يرى دي روش أن البيئة الاستراتيجية جرى تأطيرها باعتبارها نافذة محتملة لمواجهة ما تعتبره واشنطن وحلفاؤها تهديدًا إيرانيًا قبل أن يتوسع أكثر. ورغم أن أطرافًا عديدة لعبت أدوارًا في هذا التصعيد المعقّد، فإن دي روش يعيد في نهاية المطاف شرارة الصراع الحالي إلى يحيى السنوار، الذي يراه الشخص الذي أطلق سلسلة الأحداث.
الدور المتغير لحزب الله في الاستراتيجية الإقليمية لإيرانيرى دي روش أن موقع حزب الله ضمن الاستراتيجية الإقليمية لإيران شهد تحولات كبيرة في السنوات الأخيرة. فبعدما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره رادعًا استراتيجيًا لإيران في مواجهة أي هجوم إسرائيلي مباشر، بات اليوم، بحسب وصفه، أقرب إلى امتداد محلي قوي للحرس الثوري الإيراني.ويشير إلى أن نقطة التحول الرئيسية كانت مقتل الأمين العام التاريخي لحزب الله حسن نصر الله، إذ لم يعد داخل التنظيم أي شخصية تمتلك سلطة مماثلة تمكّنها من تحدي التوجيهات الإيرانية أو حتى التشكيك فيها. كما يلفت دي روش إلى شرخ داخلي سابق، تمثل في مقتل قائد حزب الله مصطفى بدر الدين، الذي يعزو مقتله إلى الجنرال الإيراني قاسم سليماني، بعد أن رفض بدر الدين أوامر بإرسال مزيد من مقاتلي حزب الله إلى معركة حلب خلال الحرب السورية.ومنذ ذلك الحين، يرى دي روش أن حزب الله أصبح أكثر فأكثر تنظيمًا يُدار وفق الأولويات الاستراتيجية الإيرانية، حتى عندما تتعارض هذه الأولويات مع المصالح الوطنية اللبنانية. وبرأيه، تراجع الحزب من قوة عسكرية شبه دولتيّة إلى قوة أكثر تفتتًا، تعمل في بعض مناطق لبنان كهيكلية أمراء حرب إقليميين، وفي مناطق أخرى كشبكة تمرد متجذرة بعمق.ويضيف أن العمليات العسكرية الإسرائيلية ستواصل على الأرجح إضعاف القدرات العملياتية لحزب الله. ومع ذلك، سيحتفظ التنظيم بقاعدة من الدعم الشعبي، خصوصًا طالما يعجز لبنان عن توفير الأمن والخدمات الأساسية لمواطنيه.
هل تدخل المنطقة مرحلة جديدة؟على الرغم من التصعيد الدراماتيكي، لا يعتقد دي روش أن البنية الأمنية الأوسع في الشرق الأوسط ستتغير جذريًا في المدى القريب. بل يرى أن المنطقة ستستمر في الدوران حول مجموعة مألوفة من الاصطفافات، التي تتشكل أساسًا بفعل تصورات الدول لتهديد إيران الإقليمي.فبحسب تقييمه، أظهرت إيران بالفعل عداءً تجاه جزء كبير من المنطقة، مشيرًا إلى أن معظم الدول المجاورة لها تعرّضت خلال السنوات الخمس الماضية لهجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ إيرانية، باستثناء لافت لكل من تركمانستان وأفغانستان. ويرى أن دول الخليج باتت تنظر إلى إيران بشكل متزايد ليس كشريك محتمل، بل كقوة مزعزعة للاستقرار تسعى إلى الهيمنة الإقليمية.أما الولايات المتحدة فتشغل موقعًا أكثر تعقيدًا. فإذا أدّت تداعيات الحرب مع إيران إلى جعل المنطقة أقل استقرارًا، فمن المرجح أن تتحمل واشنطن اللوم. أما إذا تحسن الاستقرار، فيعتقد دي روش أن الولايات المتحدة قد لا تنال سوى القليل من الفضل.ومع ذلك، وبرغم هذا الغموض، يرى أنه لا يوجد شريك أمني بديل قابل للحياة بالنسبة لدول الخليج. فروسيا والصين تفتقران، في رأيه، إلى الإرادة والقدرة على حد سواء للحفاظ على عمليات عسكرية خارجية واسعة في المنطقة، في حين أن القوى الأوروبية لم تُظهر، بحسب وصفه، لا الوحدة ولا الحزم اللازمين للحفاظ على حضور أمني مماثل. ونتيجة لذلك، تبقى الولايات المتحدة الضامن الأمني الخارجي الرئيسي للمنطقة.
خطر التصعيد على الأراضي اللبنانيةفي ما يتعلق بإمكانية منع مزيد من التصعيد، يبدي دي روش تشككًا حيال قدرة الأطراف الدولية على كبح الصراع بشكل فعّال في المدى القصير.فبحسب رأيه، فإن توجيه إيران لحزب الله لمهاجمة إسرائيل في خضم حرب إقليمية أوسع قد يكون أدى في الوقت نفسه إلى حسم مصير الحزب وإلى ضمان بقاء لبنان ساحة معركة لفترة من الزمن. ومع تركّز الاهتمام العالمي على المواجهة الأوسع مع إيران، تتمتع إسرائيل حاليًا بهامش عملياتي واسع نسبيًا لملاحقة حزب الله عسكريًا.غير أن العواقب ستتحملها لبنان إلى حد كبير. فبحسب دي روش، ستدور المعارك على الأراضي اللبنانية، ما يعرّض المدنيين اللبنانيين لمخاطر كبيرة. أما القيود العملية الوحيدة على العمليات الإسرائيلية، فيقول إنها تتمثل في القيود اللوجستية المرتبطة بالقوى البشرية والمعدات المخصصة أصلًا للحرب الأوسع ضد إيران.ومن وجهة نظر نتنياهو، يخلص دي روش إلى أن اللحظة الحالية تمثل نافذة استراتيجية لتفكيك حزب الله، وهي نافذة فُتحت عندما دخل الحزب الحرب بتوجيه من إيران.
مفارقة لبنان الدائمةورغم الصورة الأمنية القاتمة، يختتم دي روش حديثه بنبرة تفاؤل حذر بشأن إمكانات لبنان على المدى الطويل.فهو يعترف بأنه ليس متخصصًا في الشأن اللبناني، ويشير إلى أن كثيرين يعرفون البلاد أفضل منه. غير أنه، استنادًا إلى خبرته في أنحاء الشرق الأوسط، يلاحظ مفارقة لافتة: إذ إن العديد من أنجح الشركات والمؤسسات في المنطقة يديرها مهنيون لبنانيون، لكن في كل مكان… باستثناء لبنان نفسه.ويرى دي روش أن هذا التناقض يعكس رأس المال البشري الهائل الذي يمتلكه البلد. ويؤكد أن فهم معاناة لبنان المستمرة لا يمكن أن يتم من دون الاعتراف بدور التدخلات الخارجية والاختلالات السياسية.ويشير إلى أنه إذا نجحت إسرائيل في نهاية المطاف في كسر قبضة حزب الله على الدولة اللبنانية، فقد يكون هناك احتمال حقيقي لاستعادة لبنان لدوره التاريخي كعاصمة اجتماعية وثقافية للشرق الأوسط. وفي مثل هذا السيناريو، يعتقد أن براعة اللبنانيين وإبداعهم يمكن أن يحددا مرة أخرى مسار البلاد.ولا يزال مسار الصراع غير مؤكد إلى حد كبير، إذ يعتمد بدرجة أساسية على كيفية تطور المواجهة بين إسرائيل وإيران. غير أن تداعياته بدأت بالفعل تتشكل بالنسبة إلى لبنان، مع تصاعد الضغوط العسكرية على حزب الله وتبدل التحالفات الإقليمية، ما يعيد رسم البيئة التي يتعين على الدولة اللبنانية أن تعمل ضمنها.وسيتوقف ما إذا كانت هذه اللحظة ستصبح فصلًا آخر في أزمات لبنان المتكررة أو نقطة تحول نحو سيادة متجددة، على تطورات تحدث داخل حدوده وخارجها. فإذا اختفى نفوذ حزب الله المهيمن، فقد يواجه لبنان فرصة استراتيجية نادرة، تختبر قدرته على إعادة بناء مؤسسات أقوى واستعادة سلطة الدولة.











































































