اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
في السياسة الدولية، لا تكون الأخطاء دائماً في التنفيذ، بل كثيراً ما تبدأ من التقدير، وهذا بالضبط ما حصل مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي ظن نفسه صانع القرار وأنه يقرأ خصمه جيداً، فيما كان في الواقع أسير فرضياته الخاصة، ما ادى الى فتح الباب أمام سيناريوهات لم تكن في الحسبان في الاعتداء على ايران.
ان واشنطن كانت تدرك مسبقاً حساسية أي استهداف لإيران، وخصوصاً ما قد يستتبعه من ردود فعل في واحد من أهم الشرايين الحيوية في العالم: مضيق هرمز.
هذا الممر البحري الذي عبره يمر جزء كبير من صادرات النفط، ما يجعله ورقة ضغط استراتيجية بيد من يستطيع التأثير فيه.
التحذيرات العسكرية، كانت واضحة: أي تصعيد قد يدفع إيران إلى خيار 'حافة الهاوية'، أي إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه. لكن الرهان السياسي ذهب في اتجاه مختلف. فقد ساد الاعتقاد بأن طهران ستتراجع قبل أن تقدم على خطوة بهذا الحجم، وأن الضغط العسكري والاقتصادي كفيل بكسر إرادتها أو دفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية.
غير أن هذا الرهان، كما يبدو، اصطدم بواقع مختلف. فإيران، التي كثيراً ما تُقدَّم في الخطاب الغربي كدولة قابلة للردع السريع، أظهرت أنها تمتلك أدوات رد غير تقليدية، وأنها مستعدة للذهاب بعيداً في المواجهة عندما تشعر أن وجودها أو هيبتها على المحك. وهنا برزت معادلة جديدة: بدل أن تؤدي الضربة إلى إضعاف إيران، ساهمت في إظهار قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي من خلال استهداف ناقلات النفط وتهديد الملاحة.
النتيجة كانت مباشرة: ارتفاع حاد في أسعار النفط، وقلق عالمي من اتساع رقعة الأزمة. وهنا يتجلى الخطأ في التقدير، لا فقط في التقليل من قدرة الخصم، بل أيضاً في سوء فهم منطق سلوكه. فالدول، خصوصاً تلك التي عاشت عقوداً من الضغوط والعقوبات، لا تتصرف دائماً وفق الحسابات التقليدية، بل وفق مزيج من الاعتبارات السيادية والنفسية والاستراتيجية.
الأخطر من ذلك هو الاعتقاد بإمكانية 'تغيير النظام' بسهولة في ايران، هذا النمط من التفكير، الذي رافق تجارب سابقة في المنطقة، يقوم على فرضية أن الضغط الخارجي كفيل بإحداث انهيار داخلي سريع، لكن التجربة أثبتت مراراً أن هذه الفرضية غالباً ما تكون مضللة، وأن الأنظمة التي تواجه تهديداً وجودياً تميل إلى التماسك أكثر، لا إلى التفكك.
في المحصلة، ما جرى حتى الساعة يعكس درساً قديماً متجدداً في السياسة الدولية: القوة لا تكفي وحدها، والتفوق العسكري لا يضمن السيطرة على النتائج.
وفي منطقة كالشرق الاوسط، حيث تختلط الجغرافيا بالنفط، والسياسة بالعقيدة، يصبح أي خطأ في الحسابات مضاعف الكلفة… ليس فقط على أطراف الصراع، بل على العالم بأسره.











































































