اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٤ تموز ٢٠٢٦
خاص / شهاب
لم يعد موسم الميرمية في قرية عطارة شمال رام الله حدثاً موسمياً عادياً كما اعتاد السكان لسنوات طويلة، بل تحوّل إلى عنوان جديد لصراع يومي على الأرض والموارد، في ظل تضييق متزايد على الوصول إلى الجبال المحيطة، وتوسع استيطاني يطوّق المنطقة ويغيّر طبيعة الحياة الزراعية فيها.
مصدر دخل موسمي
وتشتهرعطارة تاريخياً بوفرة نبات الميرمية في جبالها. كانت تعتمد عشرات العائلات على هذا الموسم كمصدر دخل موسمي، حيث يتم قطف النبات من السفوح الجبلية وتجفيفه وبيعه في الأسواق المحلية.
لكن في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد القيود على الحركة الزراعية وازدياد وجود المستوطنات والبؤر الاستيطانية في محيط شمال رام الله، بات الوصول إلى مناطق القطاف أكثر صعوبة، وفق ما يؤكده سكان محليون.
ويجمع أهالي من المزارعين أنهم باتوا يواجهون قيوداً متكررة على الوصول إلى أراضيهم الجبلية، سواء عبر إغلاق طرق ترابية، أو عبر منع مباشر من الاقتراب من مناطق محددة، إضافة إلى وجود مراقبة مستمرة في بعض المواقع الزراعية القريبة من مناطق الاستيطان. هذه الإجراءات، بحسب الأهالي، أدت عملياً إلى شلل شبه كامل لموسم الميرمية في أجزاء واسعة من أراضي عطارة.
ويقول سكان إن هذه القيود لم تؤثر فقط على النشاط الزراعي، بل انعكست بشكل مباشر على الوضع الاقتصادي للأسر التي كانت تعتمد على هذا الموسم كمصدر دخل أساسي خلال فترات معينة من العام، في ظل غياب بدائل عمل كافية في المنطقة.
من جانبه، يقول رئيس بلدية عطارة نزار المغربي إن البلدة تشهد “تصعيداً خطيراً ومتصاعداً” في الاعتداءات الاستعمارية خلال الفترة الأخيرة، في ظل توسع البؤر الاستيطانية في محيط القرية، وعلى رأسها إقامة بؤرة استعمارية جديدة في منطقة “جبل الخربة” المصنفة (B)، وهو ما يهدد – بحسب تعبيره – حياة السكان ويفرض واقعاً جديداً من العزل والتضييق على الأراضي الزراعية.
نقاط مراقبة
وأوضح المغربي في مقابلة صحفية أن البلدة “تتعرض لضغط يومي متواصل” يتمثل في محاولات السيطرة على مزيد من الأراضي، ومنع الأهالي من الوصول إلى المناطق الجبلية والرعوية، إضافة إلى انتشار نقاط مراقبة وقيود على الحركة، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على حياة المزارعين ومصادر رزقهم الموسمية، وفي مقدمتها موسم الميرمية والزراعة الجبلية.
وأشار إلى أن إقامة البؤرة الاستعمارية في منطقة جبل الخربة “تشكّل خطراً مضاعفاً” كونها تقع داخل منطقة مصنفة (B)، ما يضاعف من مخاوف الأهالي بشأن توسع السيطرة على أراضي البلدة بشكل تدريجي، وتحويل مساحات زراعية مفتوحة إلى مناطق مغلقة أو محظورة الوصول.
وأضاف المغربي أن عطارة “تُحاصر عملياً بسلسلة من الإغلاقات والبوابات العسكرية” التي يفرضها الاحتلال في محيط شمال رام الله، وهو ما أدى إلى عزل البلدة جزئياً عن محيطها الطبيعي، وتقييد حركة المواطنين بين القرى والبلدات المجاورة، وخلق حالة من الضغط الاقتصادي والاجتماعي المتزايد.
في حين تقول الحاجة رابعة أبو ارجيلة من سكان البلدة، وهي تتحدث عن تغير الواقع في الجبال التي كانت ترتادها سنوياً: “هذا الجبل مليان ميرامية، بس ما حد بسترجي يروح يلقط من اليهود لأنهم منعونا، واللي بزقطوه بحطوا فيه قتل”.
وتضيف:'كانت الميرمية مصدر رزق إلنا، كنا نقطفها ونبيعها، بس اليوم انقطع كل شيء، ما عاد في إمكانية نوصل للأرض ولا نعيش منها'.
وتعكس هذه الشهادة، بحسب سكان محليين، حجم التحول الذي أصاب نمط الحياة الزراعية التقليدية في البلدة، حيث لم يعد القطف مجرد نشاط موسمي، بل أصبح مرتبطاً بمخاطر ومنع وإجراءات ميدانية تحد من الحركة في الجبال المحيطة.
من جهته، يشير المزارع أيوب أبو ارجيلة إلى أن وجود المستوطنين في محيط الأراضي الزراعية زاد من صعوبة الوصول إلى مناطق القطاف، موضحاً أن بعض المناطق باتت خاضعة للمراقبة المباشرة.
ويقول إن المستوطنين يقومون أحياناً بتركيب كاميرات في محيط الأراضي الزراعية، ما يجعل أي اقتراب منها محفوفاً بالمخاطر.
ويتابع أن واقع الحياة في البلدة يزداد صعوبة في ظل القيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والمناطق الزراعية، مؤكداً أن الأهالي ما زالوا يتمسكون بالصبر والأمل رغم ما يواجهونه من تحديات يومية.
الارتباط العميق بالأرض
وأضاف أبو ارجيلة أن قدرة السكان على التحمل نابعة من ارتباطهم العميق بالأرض وإصرارهم على البقاء فيها، قائلاً إن ما يميز الفلسطينيين، بحسب تعبيره، هو استمرارهم في الصبر رغم الظروف القاسية وتعاقب الضغوط.
وأكد المزارع أن هذا الصبر لا يعني القبول بالواقع، بل يعكس إيماناً لدى الأهالي بأن “الفرج يأتي بعد الشدة”، وأن الأيام القادمة قد تحمل تغييراً يخفف من معاناة السكان ويعيد لهم قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع تشهده الأراضي الزراعية في الضفة الغربية، حيث تشير تقارير محلية وحقوقية إلى توسع مستمر في النشاط الاستيطاني، وما يرافقه من قيود على حركة المزارعين الفلسطينيين في المناطق القريبة من المستوطنات، بما في ذلك منع الوصول إلى أراضٍ زراعية موسمية وحرجية.
في عطارة، ينعكس هذا الواقع بشكل مباشر على موسم الميرمية، الذي كان يمثل جزءاً من الهوية الزراعية والاقتصادية للقرية، قبل أن يتحول تدريجياً إلى موسم غياب، حيث الأرض موجودة والنبات ينمو، لكن الوصول إليه بات مقيداً، وفق ما يصفه السكان.
وبينما يستمر التوسع الاستيطاني في محيط شمال رام الله، يجد سكان عطارة أنفسهم أمام واقع زراعي جديد، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الإنسان والأرض، حيث لم يعد السؤال فقط عن وفرة الميرمية، بل عن القدرة على الوصول إليها أساساً.

























































