اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنّا رادّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } القصص7
في قلب غزة الصامد، حيث النار تلتهم الجراح والدماء تسيل على أرض الإباء، ينبض يقينٌ عجيب في صدور أهلها، طمأنينةٌ أهدأ من هدير المدافع، وسكينةٌ أعمق من جراح القلوب؛ سلامٌ من الله نزل كسكينة في القلوب المؤمنة، لا تُقهر، ولا تُكسر، رغم المجازر التي تمزق أجسادهم، وتدفن أحلامهم تحت الركام، رغم ألسنة اللهب التي تحرق البيوت وتقتل الأحبة، يقينٌ لا يهتز بأن الدماء التي سالت لن تذهب هدرًا، وأن وعد الرحمن نصرٌ آتٍ وتمكينٌ قريب، وإن الله غالبٌ على أمره، قاهرٌ لكل جبار، يثبت قلوب الصابرين ويربطها كقلوب أم موسى التي تلاشت أمام الألم، لكنها رست على الإيمان. هنا، في غزة المحتلة، يولد الأمل من تحت الأنقاض، ويُكتب التاريخ من دماء الشهداء، وصبر الغزيين هو نداء الثورة، وقصة لا تنتهي، تقولها القلوب: لا خيار إلا الصبر، والاحتساب، واليقين بأن فجر الحرية آتٍ لا محالة، وأن الأيام دول، والفجر لن يغيب عن فلسطين.
ليس أعجب من لسان حال أهل غزة الذي أسمعه من الجميع دون استثناء تقريبًا في شمالها الصابر المبتلى؛ يقين عجيب وطمأنينة هادئة وثقة مطلقة وتسليم كامل وسكينة لا تفسير لها إلا قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} (الفتح: 4).
رغم المجازر اليومية والمحرقة السادية، وقتل الأبناء والأطفال والنساء، وتدمير البيوت فوق رؤوس أهلها، وسحق مراكز النزوح بمن لجأ إليها، واستباحة كل شيء، فضلًا عن التجويع والظمأ والمرض والتلوث وقطع كل ضرورات الحياة، يستلم الصابر المحتسب المبتلى من بقي من أهله وأبنائه كومة لحم مفروم بوزن شهيد، والآلاف من أهلهم وأحبابهم تحت الركام، وشهداء نهشتهم الكلاب الضالة في الطرقات أو دفنوا دون علم أهلهم، فما زالوا بحكم المفقود.
رغم كل هذه الزلزلة، يغمر أهل غزة شعور عجيب نقرأه في كلمات رسول الله ﷺ: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40)، وفي هتاف موسى عليه السلام: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الشعراء: 62)، ويصحب ذلك يقين جازم بأن هذه الدماء البريئة المظلومة المستباحة للأطفال والنساء والرجال: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} (الأعراف: 127) لن تذهب هدرًا.
وإن عاقبتها نصر عظيم وفرج أكيد وتمكين مديد، ثقة مطلقة بوعد الله صاحب المشيئة والإرادة: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} (يوسف: 21)، الذي سكبه في قلب أم موسى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (القصص: 10).
هذا بالضبط هو السكون النفسي لأهلنا في غزة، وخاصة في شمالها، الذي أسمعه بلغات ومصطلحات وألفاظ متعددة من الناس جميعًا تقريبًا: 'إن قلوبنا يملؤها اليقين': {لَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (القصص: 7)، وأن الأيام دُوَلٌ: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران: 140)، وأن لا خيار إلا الصبر والاحتساب المصاحب لهذا اليقين، مع الأمل كل الأمل بمستقبل فيه تحرير أكيد لفلسطين، كل فلسطين: {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا} (الإسراء: 51)

























































