اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢ أيلول ٢٠٢٦
كتب حسين زلغوط:
لقد بدت كلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري أمس الأول في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام القائد السيد موسى الصدر ورفيقيه أقرب إلى رسم خريطة طريق وطنية في واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً، اكثر من مجرد خطاب في مناسبة وطنية وسياسية، أو استعادة تقليدية لمحطات رجل ما زالت قضيته حاضرة في الوجدان اللبناني والعربي.مراجع جغرافية
لا شك أن الرئيس بري وضع في طيات خطابه مجموعة من الثوابت في صدارة المشهد: السلم الأهلي، والوحدة الوطنية، والجيش اللبناني، والسيادة، ووحدة الأراضي اللبنانية، والجنوب بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الوطن. وهي ثوابت أراد لها أن تكون خطوطاً حمراء في زمن تتكاثر فيه المشاريع والاقتراحات التي قد تبدو في ظاهرها سياسية أو تفاوضية، لكنها تحمل في ثناياها، مخاطر تتصل بمستقبل لبنان نفسه.
فالرسالة الأبرز في الخطاب أن الخلاف السياسي، مهما اشتدّ، لا ينبغي أن يتحوّل إلى مدخل لضرب الوحدة الوطنية أو إضعاف مؤسسات الدولة، وأن لبنان لا يستطيع أن يخوض مرحلة المواجهة والضغط الخارجي بعقلية الانقسام الداخلي. فالعدوان الإسرائيلي، في هذه المقاربة، لا يستهدف فئة لبنانية بعينها بقدر ما يختبر قدرة لبنان على الصمود كدولة ومجتمع، وعلى حماية حدوده وسيادته وحقه في أرضه.
وهنا يكتسب تأكيد بري على الجيش اللبناني دلالته السياسية والوطنية. فالجيش، في معادلة المرحلة، ليس تفصيلاً في المشهد الداخلي ولا عنواناً للمزايدة، بل أحد أعمدة حماية الدولة وصيانة السلم الأهلي. ومن ثم فإن تحصين المؤسسة العسكرية وتوفير الغطاء الوطني لها يشكّلان جزءاً من معركة حماية لبنان.
كما ان الرئيس بري أراد في جانب آخر أن يقطع الطريق على أي مقاربة تنظر إلى الجنوب باعتباره منطقة منفصلة عن سائر الأراضي اللبنانية أو ساحة قابلة لإعادة التعريف وفق ميزان القوى أو مقتضيات التفاوض. الجنوب ليس حزاماً أمنياً لأحد، ولا منطقة عازلة، ولا مساحة اختبار لمشاريع الآخرين، بل أرض لبنانية وأهلها جزء أصيل من النسيج الوطني.
وهذه النقطة تحمل بُعداً سياسياً يتجاوز الجغرافيا. فالجنوب الذي دفع أثماناً باهظة خلال عقود طويلة من الاحتلال والاعتداءات، لا يمكن أن يتحوّل اليوم إلى مجرد ملف على طاولة المفاوضات. وأبناء الجنوب، وفق رؤية «النبيه»، لم يكونوا دعاة حرب، وإنما كانوا في موقع الدفاع عن الأرض والكرامة، وتحمّلوا في المقابل أثماناً ثقيلة من قتل وتهجير وتدمير.
أما في ملف السيادة، فقد جاءت لهجة رئيس المجلس أكثر وضوحاً وحسماً. فحقوق لبنان، في أي تفاوض، ليست ملكاً للمفاوض كي يتصرف بها وفق الظروف، ولا أوراقاً قابلة للتجميد أو التعليق أو المقايضة، والسيادة، في جوهرها، لا تكون كاملة إذا كانت الحقوق الوطنية تخضع لضغوط الأمر الواقع.
من هنا يأتي تشديده على حق لبنان في ملاحقة إسرائيل ومحاسبتها على ما ارتكبته من جرائم بحق المدنيين والبنى التحتية والقرى والبلدات. فالتفاوض، مهما كانت ضرورته، لا يعني إسقاط الحقوق، كما أن البحث عن تسويات لا يفترض أن يتحوّل إلى عفو سياسي عن الانتهاكات أو إلى تنازل مسبق عن حق لبنان في العدالة.
وفي الجانب الأكثر حساسية في هذه الآونة، أعاد بري تجديد رفضه لاتفاق الإطار والتحذير من الذهاب إلى تفاوض مباشر مع العدو من دون إجماع وطني. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط حول مبدأ التفاوض، وإنما حول جدواه وشروطه وحدوده ونتائجه. فبعد سبع جولات من التفاوض، وفق السؤال الذي طرحه الرئيس بري، ماذا كانت الحصيلة؟ إذا كان الاحتلال يتوسّع، والدمار يتزايد، والشهداء يسقطون، فإن أي مسارا تفاوضيا يصبح بحاجة إلى مراجعة جدّية في الشكل والمضمون والضمانات.
ان ما قاله الرئيس بري في هذا الإطار بالتأكيد ليس رفضاً لمبدأ الدبلوماسية أو التفاوض بحد ذاته، بقدر ما هو رفض لأن يتحوّل التفاوض إلى مسار منفصل عن الإجماع الوطني أو إلى بوابة لتكريس وقائع فرضها الاحتلال. فلبنان يحتاج إلى تفاوض قوي بقدر ما يحتاج إلى موقف داخلي موحّد، لأن قوة أي مفاوض لا تأتي من الطاولة وحدها، بل من وحدة الموقف الذي يحمله إليها.
انطلاقا من هنا يبرز تمسّك بري باتفاق الطائف باعتباره أكثر من مجرد موقف سياسي. فالطائف، في رأيه يمثل الإطار الذي حافظ على الصيغة اللبنانية وأعاد تنظيم العلاقة بين مكونات النظام، ولذلك فإن فتح الباب أمام مشاريع الفدرلة أو التقسيم أو إعادة تركيب النظام على أساس الانقسام الطائفي والمناطقي في لحظة الانهيار والضغط الخارجي قد يكون بمثابة اللعب بالنار، لا بل بمثابة إطلاق الرصاص على الرأس، لأن الخطر على لبنان لا يأتي فقط من الحدود، فهناك أيضاً خطر داخلي يتمثل في تحويل الأزمات المتراكمة إلى فرصة لإعادة رسم هوية الدولة وتركيبتها، وكلما اشتدّت الضغوط الخارجية، تصبح الوحدة الداخلية أكثر من ضرورة سياسية؛ تصبح شرطاً من شروط البقاء.
ومن هنا يمكن فهم عنوان «أمانة وطن» الذي اختارته حركة أمل لهذا العام في ذكرى الإمام الصدر. فالأمانة، كما قدمتها كلمة الرئيس بري، لا تتوقف عند قضية الإمام ورفيقيه، على أهميتها ووجدانيتها، بل تمتد إلى لبنان نفسه: لبنان الواحد، السيد، الموحّد، الرافض للتقسيم، والمتمسّك بأرضه وحقوقه.
أما قضية الإمام الصدر ورفيقيه، فتبقى في صلب هذه الأمانة. وبعد 48 عاماً على التغييب، لم تتحوّل القضية إلى ذكرى تاريخية، بل بقيت قضية وطنية وإنسانية وقضائية مفتوحة. فالحقيقة لا تسقط بالتقادم، والعدالة لا تنتهي بانقضاء السنوات، والمماطلة لا يمكن أن تكون بديلاً عن كشف المصير والحقيقة.
حيال ما تقدّم يمكن القول أن كلمة «الأستاذ» حملت أكثر من رسالة في اتجاه واحد. إلى الداخل، قالت إن الوحدة الوطنية خط أحمر، وإن الجيش والسلم الأهلي والدستور والطائف عناصر حماية لا يجوز العبث بها. وإلى الجنوب، قالت إن أرضه ليست قابلة للمساومة ولا للفصل عن لبنان. وإلى الخارج، قالت إن الحقوق اللبنانية ليست ملكاً لأحد كي يتنازل عنها، وإن التفاوض لا يمكن أن يكون بديلاً عن السيادة. وإلى قضية الإمام الصدر، قالت إن الأمانة مستمرة والحقيقة لا تزال مطلوبة.











































































