اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٠ أب ٢٠٢٦
يبدأ رئيس الجمهورية جوزاف عون اليوم الخميس زيارة تحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية وإنسانية إلى الفاتيكان وروما، في محطة تلامس مباشرة الملفات الأكثر أهمية وخطورة في المرحلة اللبنانية الراهنة. فالزيارة تأتي في توقيت دقيق يتقدم فيه مسار المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية بوساطة أميركية، فيما يبقى مستقبل الجنوب مرتبطًا بجملة استحقاقات تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وصولا إلى إعادة الإعمار وعودة النازحين، إضافة إلى مصير اليونيفيل والدور الذي يمكن أن تضطلع به القوى الدولية في المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، تبدو روما والفاتيكان محطتين متكاملتين في الجهد اللبناني لحشد شبكة دعم سياسية ومعنوية ودولية للبنان، كل من موقعه وقدرته على التأثير.
في الفاتيكان، يكتسب اللقاء بين الرئيس عون والبابا لاوون الرابع عشر أهمية خاصة، ليس فقط بسبب طبيعة العلاقة التاريخية بين لبنان والكرسي الرسولي، وإنما أيضًا بفعل التجربة التي عاشها البابا خلال زيارته إلى لبنان واطلاعه المباشر على معاناة اللبنانيين. ومن المتوقع أن يشكر عون البابا على اهتمامه الدائم بلبنان وعلى صلواته المتواصلة من أجل شعبه، كما سيضعه في صورة الوضع الراهن، ولا سيما مسار المفاوضات اللبنانيةـ الإسرائيلية والجهود المبذولة للوصول إلى ترتيبات تضمن الاستقرار وتفتح الطريق أمام تثبيت الأمن في الجنوب. وقد أكد الفاتيكان في مناسبات سابقة استمرار اهتمام البابا بلبنان وشعبه، فيما شكّلت زيارته للبنان محطة بارزة في هذا السياق.
وسيحضر الجانب الإنساني بقوة في اللقاء، إذ سيعرب رئيس الجمهورية عن تقديره للمبادرات التي يقوم بها السفير البابوي في لبنان بتوجيه مباشر من قداسة الحبر الاعظم، والتي تواكب حاجات اللبنانيين وتداعيات الأوضاع الصعبة، في محاولة لتخفيف المعاناة ومساندة الفئات المتضررة. إلا أن الرهان الأساسي لعون سيكون على تحويل الدعم المعنوي الذي يوفره الفاتيكان إلى قوة دفع سياسية في المحافل الدولية، مستفيدًا من النفوذ الفاتيكاني والحضور المعنوي للكرسي الرسولي في مختلف الدول، ولا سيما لدى الدول الفاعلة والقادرة على التأثير في مسار الأحداث.
ومن هنا، سيطلب عون استمرار الدعم الفاتيكاني للبنان في ملفات أساسية، في مقدمها انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش حتى الحدود الدولية، وعودة النازحين وإعادة الإعمار. ويعكس هذا الطرح محاولة لتثبيت مقاربة لبنانية متكاملة للمرحلة المقبلة، تقوم على الانتقال من وقف التصعيد إلى استكمال متطلبات الاستقرار، بحيث تتولى الدولة اللبنانية مسؤولياتها كاملة على الأرض، بالتوازي مع توفير الدعم الدولي اللازم لإعادة بناء المناطق المتضررة.
ولا تقتصر المحطة الفاتيكانية على اللقاء مع البابا، إذ سيعقد عون لقاءً مع أمين سر الدولة الكاردينال بيترو بارولين، الذي يتابع عن كثب تفاصيل الملف اللبناني، ما يجعل الاجتماع مساحة لنقاش معمق ومباشر في مختلف العناوين التي ستطرح مع الحبر الأعظم. ومن المتوقع أن يشكل اللقاء فرصة للتوسع في الجوانب السياسية والدبلوماسية والإنسانية، والبحث في كيفية ترجمة الموقف الفاتيكاني الداعم للبنان إلى تحرك أكثر فاعلية على المستوى الدولي.
بعد الفاتيكان، تنتقل الزيارة إلى روما، حيث يلتقي عون غدًا الجمعة رئيس الدولة ثم رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في محادثات يتوقع أن تتناول الملفات نفسها التي ستكون حاضرة في الفاتيكان، مع إضافة ملف اليونيفيل والعلاقات اللبنانية ـ الإيطالية والتعاون العسكري. وسيحرص رئيس الجمهورية على توجيه الشكر إلى إيطاليا على استضافتها المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية وما توفره من تسهيلات لإنجاح هذا المسار، خصوصًا أن روما باتت إحدى العواصم الأساسية المرتبطة بالجهد الدبلوماسي الرامي إلى تثبيت الاستقرار جنوبًا.
ويحتل مستقبل اليونيفيل موقعًا متقدمًا في محادثات عون مع ميلوني، في ظل المبادرة الفرنسيةـ الإيطالية التي تقوم على احتمال تشكيل قوة من البلدين تكون نواة لأي قوة بديلة في حال عدم التمديد للقوات الدولية في نهاية العام. إلا أن الأولوية اللبنانية تبقى للتمديد لليونيفيل، وهو موقف سبق أن طرحه عون في اتصالاته الدولية، لا سيما مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب، مع التشديد على أن استمرار وجود القوات الدولية يمثل حاجة ملحة للبنان، خصوصاً لدعم الجيش لوجستياً بعد الانسحاب الإسرائيلي ومساعدته على القيام بمسؤولياته على الأرض، والمطالبة اللبنانية هو التمديد لليونيفيل الى نهاية العام 2030.
وفي حال عدم التمديد، يصبح البحث في القوة البديلة أكثر إلحاحًا، وهنا تبرز إيطاليا باعتبارها من الدول المطروحة للمساهمة في أي صيغة جديدة. كما سيبحث عون مع ميلوني في تنفيذ صيغة الإطار والجهة الثالثة التي يمكن أن تتولى مهمة التحقق في المناطق النموذجية التي تنسحب منها إسرائيل، مع وجود إيطاليا ضمن الدول المرشحة للاضطلاع بهذا الدور. ويضاف إلى ذلك بحث العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، إلى جانب المساعدات الإيطالية للجيش اللبناني، بما يعزز قدرة المؤسسة العسكرية على القيام بمهامها في المرحلة المقبلة.
وتحمل زيارة عون إلى الفاتيكان وروما رسالة سياسية واضحة مفادها أن لبنان يخوض معركة دبلوماسية متوازية على أكثر من مسار: حشد الدعم المعنوي والسياسي، تثبيت المفاوضات، تأمين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش، حماية مستقبل اليونيفيل أو إيجاد بديل قادر على أداء دورها، وضمان المساندة الدولية لإعادة الإعمار وعودة النازحين. وإذا نجحت الزيارة في تعزيز هذه المظلة الدولية، فإنها قد تشكل خطوة إضافية في تحويل المسار التفاوضي من إطار لوقف التصعيد إلى مدخل لترتيبات أكثر استدامة في الجنوب، يكون الجيش والدولة في صلبها.
انطلاقًا من هذه المعطيات، لا تبدو محطة الفاتيكان وروما منفصلة عن المعركة الدبلوماسية التي يخوضها لبنان، بل تشكل إحدى حلقاتها الأساسية. فبين الدعم الفاتيكاني ذي الثقل المعنوي والدولي، والدور الإيطالي في المفاوضات واليونيفيل والعلاقات الثنائية، يسعى عون إلى تأمين أكبر قدر ممكن من عناصر الحماية السياسية للبنان في مرحلة مفصلية، والهدف النهائي يبقى تثبيت حضور الدولة، دعم الجيش، استكمال الانسحاب الإسرائيلي، إعادة إعمار الجنوب وتهيئة الظروف لعودة النازحين، وبناء استقرار أكثر رسوخًا لا وجود فيه إلا لسلاح واحد وقرار واحد هو سلاح وقرار الدولة اللبنانية.











































































