اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦
كتب ماهر سلامة:
لم تنقل هولندا 86 طناً من ذهبها الموجود في أميركا الشمالية لأنها تحتاج إلى بيعه غداً. ما فعله المصرف المركزي الهولندي هو إعادة توزيع جزء من احتياطياته بين مراكز مختلفة، تحسّباً لليوم الذي قد يصبح فيه الوصول إلى هذه الاحتياطيات، لا قيمتها فقط، جزءاً من المشكلة. دلالة هذه الخطوة تكمن في تآكل الافتراض الذي ساد لعقود بأن الاحتفاظ بالأصول الدولارية داخل النظام المالي الغربي خالٍ تقريباً من المخاطر السياسية.
بين آذار وآب الماضيين، نقل المصرف المركزي الهولندي نحو 86 طناً من أصل 313 طناً من الذهب الذي كان يحتفظ به في نيويورك وأوتاوا إلى لندن. المصرف كان واضحاً في تفسيره للخطوة، فالاضطرابات الجيوسياسية تتزايد، وتوزيع الاحتياطيات جغرافياً يقلّل المخاطر ويزيد القدرة على استخدامها عند وقوع أزمة شديدة. والأهم أنه وصف الذهب بأنه «الأصل الاحتياطي النهائي» للتحوّط من المخاطر النظامية القصوى. وبعد العملية، انخفضت حصّة نيويورك من الذهب الهولندي من 31.3% إلى 18.5%، فيما ارتفعت حصّة لندن من 18.1% إلى 32.1%. ودلالة الخطوة تكمن في أن مصرفاً مركزياً لدولة أوروبية، حليفة للولايات المتحدة وجزءاً عضوياً من هذا النظام، بات يتعامل مع مكان وجود الاحتياطي نفسه باعتباره عنصراً من عناصر المخاطر. هذه الفكرة تحديداً، هي التي أعادت الذهب إلى قلب السياسة النقدية الدولية خلال السنوات الأخيرة.
فالذهب لا يدرّ فائدة، وتخزينه ونقله مُكلِفان، ولا يمكن استخدامه في المدفوعات الدولية بسهولة الدولار. لكن لديه خاصية لا تملكها السندات الحكومية ولا الودائع بالعملات الأجنبية. فعندما يكون الذهب موجوداً فعلياً في خزائن المصرف المركزي، لا يكون في الوقت نفسه التزاماً مالياً على دولة أخرى، إذ لا يحتاج إلى جهة مقابلة تفي بوعدها، ولا إلى نظام دفع يتيح الوصول إليه.
كما أن هذه الخاصية أصبحت أكثر أهمية بعد شباط 2022، أي بعد الحرب الروسية الأوكرانية حين جمّدت دول مجموعة السبع وشركاؤها نحو 280 مليار دولار من الأصول السيادية الروسية الموجودة في مؤسّسات مالية خارج روسيا، أي ما كان يعادل نحو نصف الاحتياطيات الأجنبية الروسية قبل الحرب، بحسب وزارة الخزانة الأميركية. وحده الاتحاد الأوروبي جمّد نحو 210 مليارات يورو من أصول المصرف المركزي الروسي. وبمعزل عن الموقف من العقوبات نفسها، كان لهذا القرار أثر يتجاوز روسيا. فقد حمل رسالة واضحة إلى كل مصرف مركزي في العالم، مفادها أن الاحتياطي الأجنبي هو أصل يخضع للسيادة القانونية والسياسية للدولة التي يوجد فيها أو للنظام المالي الذي يمرّ عبره. هنا بدأ الفارق بين الذهب والدولار يأخذ معنى آخر.
خلص المصرف المركزي الأوروبي في دراسة نشرها عن الطلب الرسمي على الذهب، إلى أن شراء المصارف المركزية للمعدن ارتفع بقوة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا وظل مرتفعاً بعدها. ويشير إلى أن ربع المصارف المركزية في الاقتصادات الناشئة والنامية التي شملتها الاستطلاعات ذكرت «المخاوف من العقوبات» أو توقّع تغيّر النظام النقدي الدولي ضمن العوامل المؤثّرة في قراراتها المتعلقة بالذهب.
والأكثر دلالة أن خمساً من أكبر عشر زيادات سنوية في حصّة الذهب من الاحتياطيات منذ عام 1999، حصلت في دول تعرّضت لعقوبات في السنة نفسها أو في السنة التي سبقتها. كذلك، ارتفعت حصّة الذهب منذ نهاية 2021 بدرجة أكبر لدى الدول الأقرب جيوسياسياً إلى الصين وروسيا. بهذا المعنى، بدأت العقوبات تغيّر حساب المخاطر لدى المصارف المركزية. الأرقام تعكس هذا التحوّل. فبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، اشترت المصارف المركزية أكثر من ألف طن من الذهب سنوياً لثلاث سنوات متتالية بين عامي 2022 و2024، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ 473 طناً فقط بين عامي 2010 و2021. وفي عام 2022 وحده، بلغت المشتريات الصافية نحو 1136 طناً، وهو أعلى مستوى سنوي مُسجّل في البيانات التي تعود إلى عام 1950. واستمرت المشتريات عند أكثر من ألف طن في كلّ من عامي 2023 و2024، قبل أن تتراجع إلى نحو 863 طناً في عام 2025، وهو مستوى بقي، رغم التراجع، أعلى بنحو 82% من متوسط الفترة بين عامي 2010 و2021.
والاتجاه لم يتوقف في عام 2026. ففي الربع الثاني وحده اشترت المصارف المركزية نحو 289 طناً، فيما أظهر مسح «مجلس الذهب العالمي» الأخير أن 89% من المصارف المركزية المشاركة تتوقّع ارتفاع الاحتياطيات العالمية من الذهب خلال السنة المقبلة، و45% تتوقع زيادة احتياطياتها هي. في المقابل، يتوقع 74% منها انخفاضاً متوسطاً أو كبيراً في حصّة الدولار من الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس المقبلة.
الصين تشكّل أحد أبرز وجوه هذا التحوّل. فمنذ الحرب في أوكرانيا اشترت أكثر من 350 طناً من الذهب بحسب المصرف المركزي الأوروبي. فقد استمرّ «بنك الشعب الصيني» في زيادة احتياطياته 22 شهراً متتالياً حتى آب الماضي حين اشترى نحو 20 طناً إضافياً، لترتفع حيازته الرسمية إلى 2387 طناً، أي نحو 9% من احتياطياته الأجنبية. لكنّ الصين ليست وحدها، ولا هي دائماً المشتري الأكبر، إذ إن بولندا كانت أكبر مشترٍ رسمي في عام 2025، وأصبحت أيضاً من أبرز المشترين في عام 2026.
وترافقت هذه الموجة مع تغيّر لافت في موقع الذهب داخل الاحتياطيات العالمية. ففي نهاية 2025 أصبحت قيمته تعادل نحو 27% من مجمل الاحتياطيات الرسمية العالمية، مقابل 22% لسندات الخزانة الأميركية ونحو 15% لليورو. أي إن الذهب تجاوز سندات الخزانة الأميركية واليورو كأصل احتياطي، لكنه لم يتجاوز الدولار ككل. فالدولار لا يزال يشكل نحو 57% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية. كما يشير المصرف المركزي الأوروبي إلى أن جزءاً كبيراً من ارتفاع حصة الذهب ناتج من ارتفاع سعره نفسه، لا من عمليات الشراء فقط.
وهنا تبدأ الحلقة بإعادة إنتاج نفسها. الطلب الرسمي الكبير يرفع الطلب على كمية من الذهب لا يستطيع العرض زيادتها بسرعة، وارتفاع السعر يرفع بدوره قيمة الذهب الموجود أصلاً في ميزانيات المصارف المركزية ويزيد حصته من الاحتياطيات. فقد كان سعر الأونصة نحو 1820 دولاراً في نهاية 2021. أمّا اليوم، فيدور حول 4300 دولار، أي أكثر من ضعفي مستواه قبل الحرب في أوكرانيا. وفي عام 2025 وحده ارتفع الذهب بنحو 60%، بعدما ارتفع بنحو 30% في عام 2024. وفي نهاية آب الماضي وصل إلى 4563 دولاراً للأونصة. صحيح أن مشتريات المصارف المركزية ليست العامل الوحيد وراء الصعود، إذ أسهمت أيضاً الحروب والتضخم وتدفقات الصناديق الاستثمارية وحركة الدولار والفوائد، لكنها أصبحت أحد أعمدة الطلب التي لم تكن موجودة بهذه القوة قبل سنوات قليلة.
ما يحدث يعيد إلى الواجهة نقاشاً أقدم حول طبيعة النظام المالي الذي نشأ بعد انفصال الدولار عن الذهب عام 1971. في كتابه «الإمبريالية الفائقة»، بنى الاقتصادي مايكل هادسن جزءاً أساسياً من تحليله، على أن نهاية قابلية تحويل الدولار إلى ذهب لم تُنهِ امتياز الولايات المتحدة، بل غيّرت شكله. فالفوائض الدولارية التي تتراكم لدى بقية دول العالم أصبحت تعاد بصورة واسعة إلى الولايات المتحدة عبر شراء سندات الخزانة، ما جعل الدين الأميركي نفسه أحد الأصول الأساسية التي تحتفظ بها المصارف المركزية. ووفق قراءة هادسن، سمح ذلك لواشنطن بتمويل عجوزاتها الخارجية والمحليّة بعملة تصدرها هي نفسها. وبعد تجميد الاحتياطيات الروسية، ذهب هادسن أبعد، معتبراً أن «نزع الدولرة» أصبح رداً على تسليح الدولار واستخدام السيطرة على النظام المالي كأداة سياسية.
لكن هذا الاستنتاج لا يقتصر على قراءة هادسن. ففي كتابه «مواجهة هيمنة الدولار: العقوبات المالية الأميركية وردّ الفعل الدولي المضاد»، يدرس أستاذ العلوم السياسية دانيال ماكدويل تحديداً العلاقة بين العقوبات المالية الأميركية ومحاولات الدول تقليص اعتمادها على الدولار، ويخصّص فصلاً كاملاً لما يسميه «حمّى الذهب المضادّة للدولار» لدى المصارف المركزية. حجّته هي أن كثرة استخدام الدولار كأداة للعقوبات تخلق «مخاطر سياسية» مرتبطة بحيازته، فتدفع الدول الأكثر عرضة للعقوبات إلى البحث عن أصول ووسائل دفع تقع بدرجة أقل تحت السيطرة الأميركية.
حتى «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك يعترف بجزء من هذه العلاقة. ففي تحليل نشره عام 2024، أشار إلى أن أحد التفسيرات الأساسية لتسارع مشتريات الذهب هو استخدامه كـ«تحوّط من العقوبات»، تحديداً لأنه لا يملك حكومة مصدّرة يمكنها تعطيل قيمته أو الوصول إليه بالطريقة نفسها التي يمكن فيها تعطيل الأصول المالية. لكنه يحذّر في المقابل من تعميم الظاهرة والقول إن الدولار فقد مكانته، إذ لا تزال هيمنته كبيرة في الاحتياطيات والمدفوعات والأسواق المالية العالمية.
وهذه ربّما هي النقطة الأهم في ما يجري اليوم. المسألة ليست سقوط الدولار ولا عودة العالم غداً إلى معيار الذهب. الدولار لا يزال بعيداً عن فقدان مركزه الأساسي. إنما ما يتآكل تدريجياً هو الافتراض الذي ساد لعقود بأن الاحتفاظ بالأصول الدولارية داخل النظام المالي الغربي خالٍ تقريباً من المخاطر السياسية. في السابق، كان الذهب يتراكم بصورة أساسية لدى الدول التي تخشى العقوبات. أمّا اليوم، فدولة مثل هولندا تعيد النظر حتى في المكان الذي تخزّن فيه ذهبها، والمصارف المركزية عموماً تزيد تنويع مواقع التخزين، فيما ترتفع قيمة الذهب داخل الاحتياطيات العالمية.











































































