اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
* الهيئة المستقلة للانتخاب وحكاية الرجال الذين يحرسون ثقة الناس
في الرابع من نيسان عام 2012 صدرت الارادة الملكية السامية بالموافقة على قانون الهيئة المستقلة للانتخاب رقم 11 لسنة 2012 لتولد من رحم مرحلة اصلاحية اراد لها الاردن ان تكون اكثر رسوخا في بناء الدولة الحديثة واكثر اقترابا من جوهر الديمقراطية التي لا تقاس بكثرة الصناديق وحدها بل بنزاهة الطريق الذي يقود اليها وبمقدار الثقة التي يضعها المواطن في مؤسسات وطنه ثم باشرت الهيئة عملها في ايار من العام ذاته لتبدأ معركة من نوع مختلف معركة بناء الثقة وترسيخ الحياد وحماية ارادة الناخب وتحويل الانتخابات من مجرد استحقاق دستوري الى ممارسة وطنية تقوم على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون ولم تكن ولادة الهيئة مجرد انشاء مؤسسة جديدة في جسد الدولة بل كانت في معناها الاعم ولادة لفكرة تقول ان الديمقراطية لا تحيا بالشعارات وان الانتخابات لا تكون نزيهة لمجرد ان صندوقا وضع في غرفة اقتراع وانما تصبح نزيهة حين يشعر كل انسان يقف امام ذلك الصندوق ان صوته مصان وان القانون يقف على مسافة واحدة من الجميع وان لا احد يملك امتيازا خفيا على حساب احد ولهذا جاء جوهر رسالتها قائما على النزاهة والشفافية والحياد وعلى ادارة العملية الانتخابية وفقا لاحكام القانون وباستقلالية تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار وحين اشاد جلالة الملك عبدالله الثاني بجهود الهيئة في بدايات تجربتها وباعتمادها افضل المعايير والممارسات الدولية لضمان الانتخابات وفق اعلى درجات النزاهة والشفافية والحيادية لم تكن تلك الكلمات مجرد ثناء عابر على مؤسسة وليدة بل كانت رسالة وطنية عميقة تؤكد ان نزاهة الانتخابات ليست شأنا اجرائيا محدودا وانما هي جزء من مستقبل الوطن ومن حق كل اردني واردنية في ان تكون ارادته محل احترام وصون ومن هنا فان الحديث عن الهيئة المستقلة للانتخاب ليس حديثا عن مؤسسة تؤدي واجبا موسميا يظهر عند اقتراب موعد الاقتراع ثم يغيب بانتهاء الفرز بل هو حديث عن مدرسة وطنية تتعلم فيها المؤسسات والافراد معنى ان تكون المسؤولية اكبر من الموقع وان يكون القانون اقوى من العلاقات وان يكون الضمير هو الحارس الاول لكل قرار فالانتخاب في جوهره ليس ورقة توضع في صندوق بل لحظة يلتقي فيها المواطن مع الدولة على عهد من الثقة وكلما كانت تلك اللحظة اكثر عدلا وشفافية كان البناء الوطني اكثر قوة وثباتا واطمئنانا وقد تشرفت شخصيا بالعمل مع الهيئة المستقلة للانتخاب في عدد من اللجان والمحطات الانتخابية ورأيت عن قرب ما لا يمكن ان تصفه الكلمات من حرص حقيقي على ان يكون الجميع على مسافة واحدة من الجميع ولم يكن الحياد بالنسبة لي شعارا مكتوبا على جدار او عبارة تردد في المناسبات بل كان سلوكا رأيته في الميدان وممارسة عشت تفاصيلها وعملا يوميا يفرض على القائمين عليه ان يتعاملوا مع الجميع بالقدر نفسه من الاحترام والعدالة والمساواة وان لا يكون للقرب او البعد او الاسم او الموقع اثر في ميزان العمل وهنا تكمن عظمة المؤسسات حين تتحول القيم فيها من كلمات الى سلوك ومن نصوص الى ممارسة ومن شعارات الى ثقافة لقد رأيت في اللجان التي تشرفت بالعمل معها حرصا على ان نكون جميعا على سوية واحدة وان نؤدي ادوارنا دون تمييز وان نحترم القانون قبل الاشخاص وان نضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار وهذا في تقديري هو الامتحان الحقيقي لاي مؤسسة وطنية فليس التحدي ان تقول انك محايد بل ان تستطيع ان تكون محايدا حين تتعدد الاصوات وتتقاطع المصالح وتشتد الضغوط وفي هذا المقام لا بد من كلمة تقدير تليق بمعالي المهندس موسى حابس موسى المعايطة رئيس مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب الذي يقود هذه المؤسسة في مرحلة وطنية دقيقة تتطلب الحكمة والثبات والخبرة والقدرة على الموازنة بين صرامة القانون وانسانية التعامل فالقيادة الحقيقية ليست ان تتقدم الصفوف فحسب بل ان تجعل كل من خلفك يشعر ان القانون فوق الجميع وان النجاح مسؤولية جماعية وان المؤسسة لا تقوم على فرد مهما بلغ قدره وانما تقوم على منظومة متكاملة من الكفاءة والانضباط والنزاهة
وقد كان حضور المهندس المعايطة في المشهد الانتخابي مرتبطا بالتأكيد على سيادة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء او تمييز وعلى تعزيز مسيرة التحديث السياسي وهو ما يجعل موقعه في رئاسة الهيئة مسؤولية تتجاوز حدود الادارة الى المساهمة في ترسيخ الثقة بالمؤسسة وبالعملية الانتخابية وبقدرة الدولة على حماية ارادة المواطن والتحية كذلك لاعضاء مجلس المفوضين الذين يحملون مع الرئيس مسؤولية هذا الصرح الوطني ويشكلون معا مجلسا تقع على عاتقه مسؤوليات كبيرة في ادارة واستدامة واحدة من اهم التجارب المؤسسية في مسيرة الدولة الاردنية فالمؤسسات الكبرى لا تبنى بالصوت الواحد بل بتكامل الرؤى وتوازن المسؤوليات واحترام القانون والعمل بروح الفريق الواحد وفي هذا السياق يطيب لي ان اخص امين عام الهيئة الدكتور عواد الكرادشة بكلمة تقدير لما يقوم به من دور في متابعة العمل التنفيذي وتنسيق الجهود وترجمة توجهات الهيئة الى برامج وممارسات عملية وقد عرفت عنه الحضور المهني والحرص على التشاركية والشفافية والانفتاح وهي قيم لا تستقيم معها الادارة الناجحة فحسب بل تعزز ايضا ثقة العاملين والشركاء بالمؤسسة ورسالتها وقد ظهر ذلك في متابعة الخطط الاستراتيجية وفي ادارة ملفات التنسيق مع مختلف الشركاء وفي التأكيد على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع بما ينسجم مع جوهر رسالة الهيئة، ثم لا يمكن ان يكتمل الحديث عن هذه المنظومة دون الاشارة بكل تقدير الى الدكتور ناصر الحباشنة مدير العمليات الانتخابية الذي يمثل موقعه احد المفاصل المهمة في تحويل الخطط والتعليمات الى واقع ميداني منظم ويكفيه تقديرا ما يتطلبه هذا العمل من دقة ومتابعة وحسن ادارة للتفاصيل.
كما اتقدم بالشكر للدكتور عيسى الطراونة مدير المعهد الانتخابي الاردني لما يقوم به من دور في تدريب وتأهيل العاملين ورفع جاهزيتهم وتعزيز فهمهم للاجراءات الانتخابية من خلال التدريب النظري والعملي والمحاكاة وهو جانب اساسي في بناء الكفاءة التي تحتاجها العملية الانتخابية في مختلف مراحلها.
وهنا لا بد ان اتوقف عند جميع موظفي الهيئة المستقلة للانتخاب دون استثناء فالمؤسسة لا تختصر في رئيس او مفوض او امين عام او مدير وانما تقوم على منظومة كاملة من الرجال والنساء الذين يعملون في الادارات والوحدات والمديريات والاقاليم واللجان والمراكز وفي كل موقع يحتاج الى عين ساهرة وعقل منظم وضمير مهني فهناك من يعمل خلف المشهد وهناك من يقف في قلبه وهناك من يحمل التفاصيل الصغيرة التي لا يراها الجمهور لكنها في مجموعها تصنع صورة المؤسسة ونجاحها
والتحية لكل رؤساء واعضاء لجان الانتخاب والاشراف وكل العاملين في مراكز الاقتراع والفرز وكل من شارك في التدريب والتجهيز والتنسيق والمتابعة وكل موظف ادى واجبه في صمت دون ان ينتظر شكرا او اضواء فهؤلاء هم الوجه العملي للنزاهة وهم الذين يحولون النصوص والقوانين الى سلوك يومي والذين يجعلون من الشعار ممارسة ومن المبدأ واقعا ومن المسؤولية امانة وقد علمتني تجربتي معهم ان العمل المؤسسي الحقيقي لا يقوم على فرد واحد مهما كان موقعه بل على سلسلة متكاملة من الجهود اذا اتقن كل انسان حلقته اكتملت الصورة واذا احسن كل شخص القيام بدوره اصبح النجاح نتيجة طبيعية للعمل الجماعي ولهذا فان تقديري للهيئة لا ينصرف الى شخص بعينه بقدر ما ينصرف الى ثقافة عمل رأيتها حاضرة في مواقع مختلفة والى منظومة حرصت في تجربتي معها على ان يكون الجميع على سوية واحدة وان يتعاملوا مع الجميع بعدل ومساواة وحياد، ان الهيئة المستقلة للانتخاب في جوهر فلسفتها تشبه ميزان العدالة حين يقف مستقيما لا يميل مع رغبة ولا يهتز امام ضغط ولا يتغير بتغير الاسماء وفي زمن تزدحم فيه الاصوات وتتداخل فيه المصالح تصبح قيمة المؤسسة اكبر حين تستطيع ان تقول للجميع ان الطريق واحد والقانون واحد والفرصة واحدة والحق واحد وهذا هو المعنى العميق للديمقراطية حين تتحول من فكرة في الكتب الى سلوك في الواقع ومن شعار في الخطابات الى ثقافة في المؤسسات لقد ادركت خلال تجربتي معها ان العمل الانتخابي ليس معركة بين اشخاص بقدر ما هو معركة مع الفوضى والانحياز والشك وان النجاح الحقيقي لا يكون بفوز طرف على طرف بل بانتصار ثقة المواطن بالمؤسسة وانتصار القانون على الاستثناء وانتصار العدالة على الهوى وحين تنجح المؤسسة في ذلك فانها لا تدير انتخابات فقط بل تصنع وعيا جديدا وتبني جسرا بين المواطن والدولة وتمنح المجتمع شيئا اغلى من النتيجة نفسها وهو الاطمئنان الى ان صوته لم يكن وحيدا بل كان محميا بقانون ومؤسسة ورجال ونساء يؤمنون برسالتهم ولعل اجمل ما في التجربة ان الانسان حين يعمل في بيئة تقوم على الحياد يتعلم ان الاختلاف لا يعني الخصومة وان التنافس لا يعني العداء وان احترام الاخر لا ينتقص من حقك وان العدالة لا تحتاج الى ضجيج كي تثبت حضورها فالعدل يمشي بهدوء لكنه يصل دائما والنزاهة قد لا تصنع ضجة لكنها تصنع تاريخا والشفافية قد تكشف الطريق لكنها في النهاية تمنح الناس الطمأنينة
ومن هنا فانني لا اكتب عن الهيئة المستقلة للانتخاب اليوم باعتبارها مؤسسة عملت معها فحسب بل اكتب عنها باعتبارها تجربة وطنية تركت في نفسي اثرا عميقا لقد كنت واحدا من الذين وقفوا في مواقع مختلفة داخل عدد من اللجان ورأيت كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة ان تصنع صورة الوطن وكيف يمكن لقرار عادل في لحظة محددة ان يحفظ ثقة انسان وكيف يمكن لموظف ملتزم بتعليمات القانون ان يكون في حقيقة الامر شريكا في حماية قيمة وطنية كبرى
ان الوطن لا يبنى فقط بالطرق والجسور والمباني بل يبنى ايضا بالثقة وبالعدل وبالمؤسسات التي يشعر المواطن امامها انه متساو مع غيره وان القانون لا يعرف الاسماء وان الكفاءة مقدمة على الواسطة وان الحق لا يحتاج الى واسطة كي يصل وحين تصبح هذه القيم جزءا من الوعي المؤسسي فاننا نكون قد انتقلنا من بناء الدولة في صورتها المادية الى بناء الدولة في صورتها الاخلاقية والانسانية
ولذلك فانني ارى ان شعار النزاهة والشفافية والحياد الذي تحمله الهيئة ليس مجرد عنوان مؤسسي بل قاعدة حياة يمكن ان يتعلم منها كل انسان وكل مؤسسة وكل مسؤول كن نزيها حين لا يراك احد وشفافا حين تستطيع ان تخفي وكن عادلا حين يكون بوسعك ان تميل فالاخلاق لا تختبر حين تكون الطريق سهلة وانما تختبر حين يصبح الانحراف اسهل من الاستقامة
واقول انا: ان اعظم الانتصارات ليست تلك التي نرفع فيها الرايات فوق رؤوسنا بل تلك التي نغادرها وضمائرنا مرفوعة وان المؤسسات العظيمة لا تقاس فقط بما انجزته في السجلات بل بما زرعته في نفوس الناس من ثقة وطمأنينة واحترام وما رأيته في الهيئة المستقلة للانتخاب من حرص على النزاهة والحياد والمساواة يجعلني اؤمن اكثر ان الاردن حين يبني مؤسساته على الوعي والقانون والضمير يستطيع ان يمضي بثبات نحو المستقبل
وفي نهاية هذه الرحلة اقول لكل من حمل مسؤولية في هذه المؤسسة ولكل رئيس ومفوض وامين عام ومدير وموظف وعضو لجنة ورجل ميدان وكل يد امتدت لتنجز وكل عين سهرت لتراقب وكل عقل خطط وكل قلب اخلص انتم لا تديرون صناديق انتخاب فقط بل تحرسون فكرة الوطن حين يختبر نفسه امام ارادة ابنائه وانتم لا تحافظون على اجراءات انتخابية فحسب بل تحافظون على معنى اكبر هو ان يكون للانسان صوت وان تكون للصوت حرمة وان يكون للقانون كلمة وان تكون للعدالة راية لا تنحني
وفي معركة بناء الدولة لا يحتاج الوطن الى ضجيج المنتصرين بقدر ما يحتاج الى ثبات المخلصين ولا يحتاج الى كثرة الشعارات بقدر ما يحتاج الى رجال ونساء يجعلون من النزاهة سلوكا ومن الشفافية نهجا ومن الحياد شرفا ومن العدل ميزانا ومن العمل عطاء ومن المسؤولية امانة
هذه هي المعركة الحقيقية معركة ان نبقى اوفياء لفكرة الوطن حين تختبرنا التفاصيل وان ننتصر للحق حين يغوينا الميل وان نحافظ على اتزاننا حين تتكاثر الاصوات وفي هذه المعركة ستبقى المؤسسات التي تحرس ثقة الناس وتؤمن بسيادة القانون علامات مضيئة في مسيرة الاردن وستبقى الهيئة المستقلة للانتخاب واحدة من تلك العلامات التي تقول لنا ان المستقبل لا يصنعه الصخب بل تصنعه النزاهة ولا تحميه القوة وحدها بل يحميه العدل ولا يبقى في ذاكرة الوطن الا من ترك وراءه اثرا نظيفا يشبهه
ولانني تشرفت بالعمل معكم في محطات ولجان عدة ورأيت ما رأيت بعيني لا من بعيد ولا من وراء الكلمات فان شهادتي هنا ليست مجاملة عابرة بل امتنان لتجربة علمتني ان الحياد قوة وان النزاهة شجاعة وان العدالة اجمل صورة يمكن ان تقدمها مؤسسة لوطنها
فلكم جميعا في الهيئة المستقلة للانتخاب رئيسا ومفوضين وامينا عاما ومديرين وموظفين ولجانا كل التقدير والاحترام ولكم من القلب امتنان يليق بحجم ما تحملون من مسؤولية وطنية سائلا الله ان يبارك جهودكم وان يكتب لكم السداد والتوفيق وان تبقى راية النزاهة والشفافية والحياد عالية وان يظل الاردن وطنا للثقة والوعي والعدل والامل

























































