اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
نوال أبو حيدر
في ظل استمرار الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ سنوات، ومع تعثّر كل المبادرات الرامية إلى استعادة الودائع ووضع خطة تعاف شاملة، يبرز قانون الفجوة المالية كأحد أكثر المشاريع التشريعية إثارة للجدل والانقسام. فهذا القانون، الذي تقدمه السلطة على أنه مدخل أساسي لمعالجة الخسائر المتراكمة في القطاعين المالي والمصرفي، يواجه انتقادات واسعة تشكك بقدرته الفعلية على حماية حقوق المودعين وإعادة أموالهم ضمن أطر زمنية واضحة.
وبينما ترى بعض الجهات المعنية بالقانون أن إقراره يشكّل خطوة إلزامية لا بدّ منها لتنظيم الخسائر وتحديد المسؤوليات ووضع إطار قانوني يمنع الفوضى ويؤسّس لأي خطة تعاف مستقبلية، يعتبر فريق آخر أن القانون بصيغته الحالية يعاني من ثغرات بنيوية ومبالغات في الأرقام، ولا يستند إلى واقع مالي دقيق.
غبريل: القانون يفتقد الإرادة السياسية واستعادة الثقة
من هذا المنطلق، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل، لصحيفة «اللواء» إن «تسمية قانون الفجوة المالية تحمل قدرا كبيرا من الالتباس، إذ توحي وكأن المشكلة تقتصر على فجوة في ميزانية مصرف لبنان، بما يساهم في تجهيل الفاعل الحقيقي. غير أن الواقع، وفق مقاربة اقتصادية أوسع، يشير إلى أن ما نواجهه هو عجز بنيوي في ميزانية مجلس مصرف لبنان، ناتج عن سوء استخدام السلطة السياسية، وسوء إدارة القطاع العام والمؤسسات العامة ذات الطابع التجاري، إضافة إلى غياب الحوكمة والإدارة الرشيدة في القطاع العام. وقد أدّت هذه العوامل مجتمعة إلى أزمة ثقة متراكمة، انعكست بدورها أزمة سيولة خانقة في القطاع المصرفي».
ويتابع: «أما فيما يتعلق بالنيّة من تقديم مشروع القانون، فيُقال إن الحكومة قامت بما عليها القيام به، غير أن ثمة فارقا جوهريا بين إقرار القانون من حيث المبدأ وبين إمكانية تطبيقه فعليا. فمشروع القانون يتضمن ثغرات عديدة، ويثير علامات استفهام كثيرة، كما يحتوي على جوانب غامضة في نصوصه تجعل تطبيقه موضع شك، حتى في حال إقراره في مجلس النواب».
عليه، يوضح أنه «يُسجّل على المشروع شبه تغييب لدور الدولة اللبنانية في المساهمة في تسديد الودائع، رغم كونها المسبب الأساسي للأزمة، إذ يرد الحديث بشكل متردد وغير واضح عن مساهمة الدولة أو الحكومة في إعادة رسملة مصرف لبنان. ويؤدي هذا الطرح عمليا إلى تبرئة الفاعل الأساسي في الأزمة وتحميل العبء الأكبر لأطراف أخرى».
وأمام كل تلك الأجواء، يشدّد غبريل على أن «مشروع القانون يبدو وكأنه محاولة لإعادة كتابة التاريخ، إذ يتضمن أحكاما ذات مفعول رجعي، ويعتمد منطق الشطب على مختلف المستويات، سواء من خلال شطب رساميل المصارف التجارية، أو بعض الودائع المصنفة كمشتبه بها، أو عبر محاولة شطب دين الدولة لمصرف لبنان. وعلى الرغم من أن المشروع يروّج لفكرة إعادة الودائع بالكامل، إلّا أنه في الواقع يستند إلى مبدأ تراتبية المسؤوليات وتحميل الخسائر، وهي آلية تبدأ عمليا بالشطب قبل أي عملية تعويض فعلية».
إذ يوافق غبريل رئيس مجلس الوزراء على أن هذا القانون يندرج ضمن مسألة الإرادة السياسية أكثر مما هو مرتبط بالإمكانات المادية، إذ إن هذه الأخيرة متوافرة في حال توفرت الإرادة السياسية. وكان من المفترض أن يشكّل مضمون هذا القانون، الذي ينتظره الجميع، صدمة إيجابية تطلق مسار استعادة الثقة، إلا أن غياب هذه الإرادة حال دون تحقيق ذلك حتى اليوم.
على أي حال، يسلّط الضوء على أن «مشروع القانون أصبح اليوم بعهدة مجلس النواب، وأحد أهداف الحكومة هو القول إنها قامت بما عليها أمام الرأي العام اللبناني والمجتمع الدولي، لتنتقل المسؤولية إلى المجلس النيابي. لكن في المقابل، تطرح اليوم عدة أسئلة أساسية أمام مجلس النواب: هل سيكون الوقت كافيا أمام اللجان النيابية لدراسة هذا القانون بدقة وبعمق، نظرا لحساسيته وأهميته كونه يعدّ أهم مشروع نقدي ومالي منذ قانون النقد والتسليف، كما وصفه حاكم مصرف لبنان؟ وهل ستكون هناك قابلية لإقراره قبل الانتخابات النيابية؟ وهل سيتحمّل المجلس الحالي مسؤولية التصويت عليه؟ أم سيكون هناك ضغط خارجي كاف لدفع مجلس النواب إلى إقرار هذا القانون تحت شعار: «قانون سيّئ أفضل من لا قانون»؟».
والأهم من ذلك، بحسب غبريل، أنه «لو تم إجراء الدراسات والتجارب اللازمة لتحديد قدرة المصارف على تسديد هذه الالتزامات، لكان بالإمكان وضع أرقام دقيقة، في حين أن مشروع القانون لم يتضمن أي أرقام محددة، سواء بالنسبة للسيولة المطلوبة لتسديد الودائع أو لقدرة المصارف أو قدرة مصرف لبنان على الاستجابة. كان من المفترض أن تبنى هذه الأرقام على دراسات دقيقة وعلى تقديرات حقيقية لقدرة المصارف على التسديد».
إذ يختم: «القانون الحالي لا يوضح مدى استمرارية القطاع المصرفي، لأن استمرار هذا القطاع لا يعتمد فقط على الإجراءات التقنية، بل يتطلب استعادة الثقة بشكل شامل. وهذه الثقة تشمل ليس فقط الجانب التقني في القطاع المصرفي، بل أيضا الجوانب الأمنية والسياسية والدبلوماسية والإدارية، كإعادة هيكلة القطاع، مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، محاربة التهريب عبر الحدود في كلا الاتجاهين، تحسين المناخ الاستثماري، تعزيز فصل السلطات، ضمان استقلالية القضاء، احترام المهل الدستورية، وتطبيق القوانين بشكل كامل. فبدون هذه الإجراءات الشاملة، سيكون من الصعب جدا أن يتمكن القطاع المصرفي من النهوض واستعادة دوره الحيوي في الاقتصاد».











































































