اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٤ حزيران ٢٠٢٦
هل كُتِبَ على هذا الوطن أن يظل ساحةً مفتوحة لـ حُروب الآخرين على أرضه؟ وهل قَدَرُ اللبنانيين أن يصرخوا عند كل منعطفٍ دموي: اتركوا شعبي يعيش، فلا يجدون في هيكل الدولة إلا صدى أصواتهم؟ إن التأمل في مسار الحروب التي عصفت وتصفع لبنان، يكشف هوّةً سحيقة بين زَمَنٍ كانت فيه السرايا الحكومية منصةً تفرض عبرها الدولة شروطها الوطنية، وبين زَمَنٍ سُلِبَ فيه من الدولة خيار القرار، ووُضِعَت أمام الأمر الواقع، لتتحول السلطة إلى مجرد قاعةِ انتظارٍ مكسورة، تتلقى الضربات وتترقب ما يقرره الخارج وتدير الأزمات باللحم الحي.
إن الأزمة الراهنة تتجاوز الصراع العسكري الدامي إلى تفكيك بنيوي لمنطق السيادة، حيث نرى تلازماً خطيراً بين تبخر الإرادة السياسية الرسمية والانهيار المالي الشامل، وسط تحول جذري في طبيعة المكونات اللبنانية، وفي مقدمتها حزب الله، الذي انتقل عبر العقود من موقع المقاومة تحت عباءة الدولة إلى المقاومة البديلة عن الدولة وباسم الإقليم، في مسار يطرح تساؤلات حارقة عما إذا كان هذا التحول وليد الصدفة، أم خطة ممنهجة وُضعت خيوطها منذ البدايات لتصل بالبلاد إلى ما هي عليه اليوم. لم يكن لبنان يوماً مجرد جغرافيا للبيع والإيجار في سوق المقايضات الإقليمية، لكنهم أرادوا له في زمننا هذا أن يصبح صندوق بريد بالنار، تتبادل عبره المحاور الرسائل بالدم والرماد.
ونحن إذ نعود بالذاكرة إلى ما قبل العام 2000، وتحديداً إلى نيسان 1996، حين شنت إسرائيل عدوان عناقيد الغضب، نلمس الكواليس العميقة لتلك المواجهة السياسية الشرسة التي دارت في غرف الفنادق وقاعات القصور الرئاسية بين عواصم القرار. لم يكن رفيق الحريري حينها مجرد متلقٍ للقرارات، بل حوّل السرايا إلى قاطرة دبلوماسية ورفض الشروط المستحيلة التي حاول وزير الخارجية الأميركي الأسبق وارن كريستوفر فرضها بالوكالة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز، والتي كانت تهدف إلى نزع سلاح المقاومة بالكامل ووقف العمليات داخل الشريط الحدودي المحتل دون قيد أو شرط.
تروي المحاضر والوثائق الدبلوماسية كيف قاد الحريري معركة حرب المبادرات، مستنداً إلى الدعم الفرنسي القوي الذي جسّده وزير الخارجية هيرفيه دو شاريت، الذي جال في المنطقة متحدياً الاحتكار الأميركي للمفاوضات، ومستفيداً من التنسيق الوثيق مع دمشق حيث كان الرئيس السوري غير المأسوف عليه، حافظ الأسد، قد رفض في ذروة الأزمة استقبال كريستوفر لولا تعديل الطرح الأمريكي.
لعل الكلمة الفصل التي هزت أروقة التفاوض كانت صرخة الحريري في وجه كريستوفر: لن نوقع صك استسلام، ولبنان لن يكون حارس حدود لإسرائيل ما دام الاحتلال قائماً، والمدني اللبناني ليس وقوداً لانتخابات شيمون بيريز؛ وهي العبارة التي لخصت الهوية الوطنية للتفاوض، وقادت بعد مجزرة قانا الأولى وموجة التنديد الدولية إلى ولادة تفاهم نيسان الشهير في 26 نيسان 1996 برعاية خماسية.
تضمن التفاهم بنوداً واضحة قضت بتحييد المدنيين تماماً ومنع توجيه الهجمات الصاروخية أو العسكرية نحو المناطق المأهولة من الطرفين، وحظر استخدام المدنيين دروعاً بشرية، مع تشكيل لجنة مراقبة خماسية اجتمعت في الناقورة للتحقيق في الخروقات.
لقد انتزعت الشرعية الدستورية آنذاك إنجازاً تاريخياً؛ إذ شرّع التفاهم دولياً وبشكل غير مباشر حق اللبنانيين في مقاومة الاحتلال داخل الأرض المحتلة، وكان الحجر الأساس الذي مَهّد لاندحار الاحتلال عام 2000. وفي ذلك الزمن، كان أداء حزب الله منضبطاً تحت سقف المصلحة الوطنية والبيئة الدستورية؛ إذ ارتضى أن يقبع خلف الدولة دبلوماسياً، مفسحاً المجال للرئيس الحريري ليفاوض باسم لبنان والمقاومة، معترفاً بمرجعية المؤسسات الرسمية.
هذا التناغم مهد فوراً لورشة إعمار تسعينيات ضخمة قادتها الدولة بنفسها برؤية الحريري، حيث أعادت بناء البنية التحتية، والوسط التجاري، والمطار، مستقطبةً الاستثمارات العربية والأجنبية الهائلة والمساعدات المباشرة إلى خزينة الدولة، فكان العالم يرى دولة موثوقة ائتمانياً وقادرة على حماية السيادة بالتفاوض والاعمار.
ولكن، عندما اندلعت حرب تموز 2006، بدأت ملامح التبدد تظهر بعد أن وُضعت الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة أمام قرار حرب لم تختره ولم تُستشر فيه، فلم يترك لها الميدان خياراً سوى تبني الموقف الدفاعي واحتواء الكارثة. صاغت الحكومة آنذاك النقاط السبع وتوجت جهودها بصدور القرار الدولي 1701، ونجحت بالدبلوماسية في تعديل مسوداته لمنع وضع لبنان تحت البند السابع، لينتشر الجيش اللبناني في الجنوب بالتعاون مع اليونيفيل. في تلك المحطة، كان حزب الله قد بدأ يخرج تدريجياً من عباءة التنسيق الخلفي مع الدولة ليفرض أجندته الميدانية، لكنه سارع فور توقف القتال إلى الاحتماء بظلال الحكومة لتأمين التغطية السياسية داخلياً وخارجياً.
وفي مرحلة ما بعد الحرب، تجلت معضلة الإعمار بوضوح؛ إذ غابت قدرة الدولة المالية المباشرة، ففتحت الأبواب للدول العربية الصديقة، وعلى رأسها دول الخليج العربي كالمملكة العربية السعودية وقطر والكويت، التي تولت تبني إعمار قرى بكاملها وضخت مليارات الدولارات في البنك المركزي اللبناني لدعم الاستقرار النقدي، وتكفلت إيران بترميم وبناء الضاحية الجنوبية ومؤسساتها، فيما اقتصر دور الدولة على التنسيق الإداري السلبي، وتوزيع التعويضات عبر الهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب، مما كرس واقع الدويلات داخل الدولة وتلاشي المبادرة الاقتصادية الرسمية.
أما ما نعيشه اليوم منذ أكتوبر 2023 وحتى حزيران 2026 الحالي، فهو التجسيد الأخطر لسياسة سلب الدولة خياراتها السيادية بالكامل، والتحول الصادم في أداء حزب الله؛ فلم يعد الحزب ذلك الفصيل الذي يتيح للدولة التفاوض عنه أو يلتزم بحدود الوطن، بل ألحق لبنان إلحاقاً قسرياً بما يسمى جبهة الإسناد لقطاع غزة، متجاوزاً الدستور والمؤسسات والدولة برمتها.
إن هذا السلوك يطرح السؤال الجوهري: هل تغير حزب الله أم أنه كان يتمسكن ليتمكن؟
القراءة العميقة للتاريخ تؤكد أن الحزب لم يتغير جوهرياً، بل إن عقيدته التأسيسية القائمة على ولاية الفقيه والارتباط العضوي بالمشروع الإقليمي الإيراني ظلت ثابتة، وما انضباطه في التسعينيات إلا مرونة مرحلية واستراتيجية فرضتها الحاجة لبناء ترسانته، وحماية ظهره سياسياً، وتفادي المواجهة المبكرة مع مشروع الإعمار الحريري المدعوم عربياً ودولياً.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل كان مساراً مخططاً له بعناية استغل فيه الحزب الفراغات السياسية، وانسحاب الجيش السوري عام 2005، وضعف البنية المؤسساتية للدولة اللبنانية، ليقضم تدريجياً مراكز القرار حتى بات هو من يملك فيتو الحرب والسلم. واليوم يدفع اللبنانيون ثمن هذا التخطيط؛ فالبلاد مغرقة في حرب مدمرة بدأت باجتياح واغتيالات واسعة عام 2024، وأدت لهدنة هشة في تشرين الثاني من العام نفسه تهاوت سريعاً في آذار 2026 بسبب الخروقات والضربات المتبادلة، وعادت الحرب بضراوة غير مسبوقة شملت الضاحية والجنوب والبقاع مسفرة عن تهجير أكثر من 1.2 مليون مواطن، حتى وصلنا اليوم إلى هدنة نيسان الحالية الممتدة بصعوبة بالغة وسط غارات يومية مستمرة، وضغوط دولية لإنشاء مناطق تجريبية منزوعة السلاح يديرها الجيش، بينما يرفض الحزب إخلاء جنوب الليطاني وسط إصرار إقليمي على ربط الساحة اللبنانية بملفات المنطقة ومضايقها البحرية كمضيق هرمز.
إن المقارنة التحليلية الاقتصادية والسياسية بين الأمس واليوم تكشف عمق الكارثة؛ فبين نيسان 1996 وحزيران 2026، انقضت ثلاثة عقود لم يتغير فيها العدو، بل تغيرت فينا الدولة؛ سقطت من يدها المبادرة بعدما سُلبت خياراتها عنوةً، وتحولت الدبلوماسية الشجاعة التي قادها رفيق الحريري ذات يوم لانتزاع السيادة وتأمين أموال الإعمار، إلى مجرد شاهد زور يرتجف خلف أبواب واشنطن والناقورة.
فالحكومة اليوم متلقٍ خالص، مغيبة عن دهاليز القرار، يُفاوَض عنها، بالرغم مما يسمى مفاوضات مباشرة، بالوكالة عبر وسطاء دوليين، وتتحمل أعباء حرب كُبِّلت عن منعها، وتكتفي بإحصاء الضحايا وتوزيع مساعدات شحيحة، في ظل إفلاس كامل تعاني منه الدولة وخزينة عامة فارغة بفعل الانهيار المالي غير المسبوق.
وأمام هذا الدمار الشامل، يبرز السؤال الوجودي الحارق: من سيعيد إعمار لبنان هذه المرة؟
إننا نقف أمام أفق مسدود؛ فالدول الخليجية والعربية التي هبت لنجدة لبنان سابقاً أغلقت صناديقها وأدارت ظهرها بوضوح، لرفضها تمويل واقع سياسي وإعمار بلد تصادر فيه دويلة مسلحة قرار السلم والحرب لصالح محاور خارجية، والمجتمع الدولي والغربي يربط بدوره أي قرش لإعادة الإعمار بإصلاحات هيكلية صارمة، ونزع السلاح، وتطبيق حقيقي وقاسٍ للقرارات الدولية والانتشار الحصري للجيش اللبناني.
لن تأتي أموال الإعمار بالسهولة السابقة، والخشية كل الخشية أن تظل القرى المدمرة والضاحية المنكوبة ركاماً شاهداً على العجز، أو أن يتحول الإعمار إلى ورقة ابتزاز سياسي خارجي لفرض وصايات جديدة على أنقاض الوطن.
إن إعمار الحجر مستحيل ما لم نعد إعمار منطق الدولة الدستورية والسيادة الحصرية للجيش أولاً، فالحرية والسيادة هما أساس البناء، وبدونهما سيبقى الركام ركاماً، يشهد على اصرار الدويلة على رهن الدولة لصالح ولمصلحة ايران.
هم طغاة هذا الزمن الذين سلبوا الدولة قرارها وتركوها بلا خيار تحكمها حسابات عابرة للحدود، دون أي نية لاعادة القرار المخطوف.











































































