اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١٤ حزيران ٢٠٢٦
كلما عدت بذاكرتي إلى سنوات الانتفاضة الأولى، أجدني أتساءل: ما الذي كان يخيف جنود الاحتلال إلى هذا الحد؟
أنا ظريف الطول.. كنت في التاسعة من عمري عندما اعتقل الاحتلال أخي وهو في طريقه إلى المدرسة. أذكر ذلك مطلع تسعينيات القرن الماضي.
كانت أمي كلما اقتحمت قوات الاحتلال منطقتنا تسارع لإخفاء كيس من أشرطة الكاسيت، تحتوي على أناشيد وطنية وأغاني فلسطينية شعبية، فقد كان العثور على واحد منها كافيا لجلب المعاناة والخضوع للتحقيق وربما السجن.
كنت طفلًا أراقب المشهد وأحاول أن أفهم كيف يمكن لقطعة بلاستيكية صغيرة أن تتحول لخطر يستدعي كل هذا الخوف.
وفي إحدى مرات الحصار، كان مخيمنا مطوقًا بالكامل — ما كنا نسميه “الطوق الكبير”، منع الناس من الخروج من منازلهم، لكن بعض الفتية كانوا يتسللون ويرشقون جنود الاحتلال بالحجارة، وخلال ملاحقتهم، اقتحم الجنود منزلنا، وأمسكوا بي على الرغم من أنني لم أتجاوز التاسعة من عمري.
أخرجوني للشارع… كان خاليا تماما، سكونه مرعب، وكأن الخوف وحده يتحرك فيه، ووقف جندي مدجج بالسلاح يوجه بندقيته نحو رقبتي، يتحدث بلغة لم أفهمها، في حين كان يحرك حجرا بقدمه كأنه يسألني إن كنت ممن رجموهم بالحجارة.
حتى اليوم ما زلت أذكر ذلك المشهد، جندي يحمل بندقية ويحقق مع طفل بسبب حجر.
وعندما كبرت قليلا، وفي المرحلة الإعدادية، حاصرت قوات الاحتلال مدرستي، ووصلت العربات العسكرية التي كنا نحفظ أسماءها كما يحفظ الأطفال أسماء ألعابهم، “جيب الصرصور”، و“البور”، و“مش مارق فول”، و“الصالون”، نزل منها الجنود المدججين بالسلاح وهم يصرخون: أين السلاح؟
حاول مدير المدرسة إقناعهم بعدم وجود أي سلاح، لكنهم أصروا على تفتيش حقائب الطلبة، وبعد بحث طويل عثروا على ما جاؤوا من أجله، إنه علم فلسطين، صادروا العلم واقتادوا الطفل الذي كان يحمله، ثم غادروا.
لكن المشهد الذي لا يغيب من ذاكرتي كان في مسجدنا الكبير داخل المخيم، عند صلاة العصر بالتحديد.
حاصر الاحتلال المسجد بالكامل، الجنود في الخارج، وقنابل الغاز تتساقط، وزخات الرصاص تخترق الهواء، في حين كان المصلون من أطفال وشباب وشيوخ يبحثون عن ساتر بين الأعمدة.
وسط الفوضى، وصل الإمام لمكبر الصوت، وانطلقت التكبيرات، “يا أهل المخيم… أبناؤكم محاصرون في المسجد”.
وخلال دقائق، خرج الناس من الأزقة والبيوت كأن المخيم كله انتفض دفعة واحدة، الآباء يبحثون عن أبنائهم، والأمهات عن أطفالهن، والشباب يندفعون بالرغم من الرصاص والغاز.
كان الدخان يغطي المكان، والعرق يتصبب من أجسادنا، حتى بدا المخيم كله يتنفس خوفا وغضبا في آن واحد.
وفي النهاية، اقتحم الأهالي الحصار وانتزعوا أبناءهم من بين أيدي الجنود، ثم أُغلق المسجد لاحقًا.
يومها أدركت أن المسجد أيضًا كان يخيفهم، كما كان يخيفهم العلم والحجر والكلمة، لأنه كان يصنع الوعي والكرامة ورفض الخضوع.
كبرت، وكبرت معي الإجابة… فالمشكلة لم تكن يوما في الحجر، ولا في العلم، ولا في الأناشيد، ولا في المسجد، ولو كانت كذلك لانتهت القصة بمجرد مصادرتها أو منعها.
لكن الاحتلال واصل القتل والاعتقال والهدم والملاحقة، لأنه لم يكن يحارب أدوات، بل كان يحارب إرادة شعب يرفض الاستسلام.
واليوم يعود المشهد بصياغات جديدة.
يقولون: سلموا الأسرى تنتهي الحرب، وسلموا السلاح يتوقف الدمار، وسدوا الذرائع ليتوقف القتل.
لكن التجربة الفلسطينية تقول: الذرائع تتغير، لكن الهدف لا يتغير.
فإذا كان الحجر سلاحا، والعلم سلاحا، والنشيد سلاحا، والمسجد سلاحا، فهل هي المشكلة حقا؟ أم في وجود شعب يرفض أن يتنازل عن هويته وحقه وكرامته؟
غزة اليوم تقدم أبناءها ودماء أطفالها أمام العالم الصامت، في حين يتكرر الخطاب نفسه عن السلاح والذرائع، فهل من المنطق خلع أظافر الضحية، في حين يقدم السلاح بالأطنان للمحتل ليقتلنا، هل سيتغير جوهر الاحتلال إذا اختفت كل “الأسلحة”، أم أنه سيبحث عن ذرائع جديدة للقتل؟
تجربة الفلسطيني الممتدة تقول إن المشكلة لم تكن يوما فيمن قاوم، بل في الاحتلال نفسه، أما الذرائع فكانت تتبدل… وبقي القتل والاعتقال والتهجير كما كان.
فإذا كانت الأعلام والأناشيد والحجارة وأشرطة الكاسيت والمساجد قد عدت يوما أسلحة، فهل سيتوقف الظلم إذا اختفت جميعها.
السؤال هنا للعقلاء...

























































