اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
ما جرى في حلب لم يكن مجرّد معركة نفوذ، بل كسر لأوّل محاولة سورية جدّية لإنتاج حلّ سياسي غير صفري، وما يُكسر مرّة يمكن أن يُرمّم… لكنّه لا يعود كما كان.
مثّلت الأحياء الكردية في حلب بذرة الحلّ لاتّفاق العاشر من آذار/ مارس، بين السلطة في دمشق والإدارة الذاتية الكردية، باعتباره أوّل الخطوات التجريبية نحو دمج أوسع لمؤسّسات الإدارة الذاتية في الدولة.
لكنّ سقوط الأحياء الثلاثة بيد سلطة دمشق بغطاء تركي، في عمليّة عسكرية سريعة، يُحيلنا إلى إعادة تقييم هذا الاتّفاق واحتمالات تطبيقه.
كنتُ قد جادلت في مقال سابق أن اتّفاق الأوّل من نيسان/ أبريل للأحياء الكردية، هو نواة تجريبية للحلّ بين القطبين الرئيسين في سوريا، وعلى اعتبار أن الحالة القطبية بين الطرفين لها أبعاد إقليمية ودولية أيضاً، فإن احتمالية الصدام مُستبعدة.
فهل نُسف الاتّفاق بنسف نواته؟ يبقى السؤال قائماً حول أهمّية الحيّين الاستراتيجية، ولماذا الآن؟ وهل يمكن التعويل على إعادة إحياء اتّفاق آذار/ مارس بين عبدي والشرع؟
خلفية الصراع وسياق المعركة
الأسبوع الأوّل من العام شهد حدثين يكملان الصورة الممهّدة وسياق المعركة. الأوّل، في الرابع من كانون الثاني/ يناير، عندما اجتمع وفد من 'قوّات سوريا الديمقراطية/ قسد'، بوفد من السلطة في طابع عسكري، وجدته 'قسد' إيجابياً، متطلّعة إلى استمرار المشاورات بعد أيّام قليلة، بينما نفت السلطة أيّ تقدّم ملحوظ، فيما سرّبت 'المونيتور' أن الشيباني قد أنهى ذلك الاجتماع ونسف ما جاء فيه، بسبب عدم الرضا التركي على سير المفاوضات.
الحدث الثاني كان اجتماع باريس عشية السادس من كانون الثاني/ يناير، الذي أسفر عن التوصّل إلى تفاهمات متقدّمة بين إسرائيل والسلطة، يمكن وصفها ببداية لتطبيع العلاقات، في حضور حقّان فيدان وزير الخارجية التركي.
لم تمرّ ساعات، حتى أذعن المسؤولون الأتراك بعمليّة سورية في أحياء حلب لإخراج المقاتلين الكُرد، وانتهت بسيطرة سريعة وانتهاكات بشعة مع سقوط مدنيين ونزوح مئات الآلاف، مع حديث متكرّر عن التوجّه إلى تلّ حافر، حيث توجد نقطة استراتيجية أخرى تسيطر عليها 'قسد' غرب الفرات- شرق حلب.
ربما لم تخفِ أنقرة وقوفها واستثمارها في هذه المعركة. غاب الشرع عن واجهة هذا الصراع وتصدّر بعض المسؤولين في حلب والمسؤولين الأتراك لها إعلامياً. أبعد من ذلك، الاتّصال بين الشرع والزعيم الكردي مسعود بارزاني، من أجل مناقشة هذا الملفّ كان لافتاً للانتباه. كما نقلت وسائل إعلام كردستانية عن مقابلة مرتقبة مع الشرع، قبل أن يتمّ تأجيلها 'لأسباب تقنية'، في هذه الأثناء نقل 'المرصد السوري لحقوق الإنسان' رغبة الشرع في الحديث من خلال الإعلام الكردستاني.
تقاطعات عدّة يمكن أن تشير إلى قرار أنقرة لهذه المعركة، ورغبتها في إنهاء أيّ وجود كردي في غرب الفرات، بخاصّة في مدينة حلب التي تحضر في الاعتبارات التركية وحزب 'العدالة والتنمية' بشكل عالٍ. بمعنى آخر، الحيّان لا يشكلان نقطة استراتيجية عسكرياً، أو مركز تهديد كردي للسلطة أو لتركيا، لكنهما يشكلان رمزية انتصارية في خطاب أردوغان أمام حزبه، وبالتالي حلب خالية من أيّ نفوذ كردي.
الاستفادة التركية الأهمّ من هذه المعركة هو انهيار اتّفاق نيسان/ أبريل، ولأن هذا الاتّفاق كان نواة لتطبيق اتّفاق آذار/ مارس، فإن تركيا دفعت إلى نسفه. اتّفاق آذار/ مارس في موضع شكّ وعدم رضى بالنسبة إلى تركيا منذ توقيعه، دفعت تركيا إلى تأويل هذا الاتّفاق إلى أقصاه، في تجريد 'قسد' من سلاحها وإبعادها من أن تكون شريكاً في السلطة، ومن خلال زيارات وزير خارجيتها ورئيس استخباراتها إلى دمشق، قُبيل أو بعد أيّ جولة مفاوضات ما أسفر عن مماطلة وتسويف.




































































