اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
تمنح زيارة الزيدي دمشق زخماً سياسياً جديداً، لكنها تضع الحكومتين أمام استحقاق الانتقال من إعلان النوايا إلى تحديد الالتزامات. وتبدأ الخطوة العملية بتعزيز التنسيق الأمني وإدارة الحدود ومكافحة التهريب، بالتوازي مع وضع مسار تفاوضي واضح بشأن النفط والتجارة والنقل والزراعة.
نقلت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق، الأربعاء 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، العلاقة بين البلدين من مستوى النقاش بشأن فرص التقارب إلى اختبار القدرة على تحويل المصالح المشتركة إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.
استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع الزيدي والوفد المرافق له في مطار دمشق الدولي، في زيارة تتجاوز التواصل الدبلوماسي التقليدي؛ فالعراق يبحث عن منافذ إضافية لتصدير النفط وتأمين حدوده الغربية، فيما تحتاج سوريا إلى شراكات إقليمية تساعدها على استعادة النشاط الاقتصادي وتثبيت الاستقرار. ويبقى نجاح التقارب مرتبطاً بقدرة الطرفين على ترجمة التصريحات إلى ترتيبات أمنية واتفاقات اقتصادية واضحة.
الحدود وأولوية الأمن
يتقدم الملف الأمني جدول الأعمال العراقي – السوري، بفعل تحديات حركة التنظيمات الإرهابية وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات، فضلاً عن صعوبة ضبط المناطق الصحراوية والحدودية واسعة الامتداد. ويحتاج البلدان إلى تنسيق استخباراتي وتبادل مستمر للمعلومات، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها حركة الجماعات المسلحة مع طرق التهريب وممرات العبور غير النظامية.
وقال مصدر سياسي مطلع لـ'درج' إن زيارة الزيدي حققت، بحسب تقديره، 'مكاسب مهمة' للعراق، أبرزها التفاهم على إبعاد كل ما من شأنه أن يشكل مصدر قلق أمني، وتعزيز الاستقرار على الحدود.
وأضاف أن الجيش العراقي سيتولى حماية وضبط أمن الجزء غير المكتمل من السور الحدودي الذي شيده العراق، إلى جانب تفاهمات أمنية أخرى.
وعن نتائج الزيارة قال المتحدث باسم ائتلاف الإعمار والتنمية، النائب فراس المسلماوي، إنها استكملت ما بدأته الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني، ولا سيما في الملف الأمني.
وأضاف أن التفاهمات شملت، وفق تصريحه، حفظ أمن الأقلية الشيعية في سوريا وإشراكها في الحكم، فضلاً عن حماية المراقد الشيعية هناك، والذي تجلى بوضوح في تبرع بقيمة 10 ملايين دولار، دفعه الزيدي 'من جيبه الشخصي' حسبما نقلت وسائل الإعلام، تبرع يُقسم بالنصف بين مقام السيدة زينب والمسجد الأموي.
يقول الباحث السوري في مركز الحوار للأبحاث والدراسات في واشنطن، عمار جلو، لـ'درج' إن البلدين يحتاج أحدهما إلى الآخر بدرجة كبيرة، مع أهمية خاصة للعراق في المرحلة الحالية، بالنظر إلى ما توفره الجغرافيا السورية من فرص اقتصادية واستراتيجية. ويضع جلو الأمن في مقدمة الملفات التي يمكن أن تؤسس لتقارب أوسع، يفتح الطريق أمام التعاون في الطاقة والتجارة والتنمية.
ويقول المتخصص في الشأن السياسي العراقي عبد الله الذبان لـ'درج' إن تحقيق ضبط كامل للحدود السورية لا يزال أمراً بعيد المنال، في ظل محدودية السيطرة الأمنية في مناطق من البادية. ويقترح أن تتحول التفاهمات السياسية إلى لجان حدودية مشتركة، وضباط ارتباط في المنافذ، وآليات لتبادل المعلومات بشأن شبكات التهريب والمطلوبين، ضمن جداول زمنية قابلة للمراجعة.
وفي مقابلة تلفزيونية، أكد الشرع أن التنسيق الأمني بين بغداد ودمشق تطور خلال الفترة الماضية، وأن الحكومتين تتبادلان المعلومات والملاحظات بشأن المخاطر المحتملة. كما قال إن حكومته تعمل على حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء تعدد الفصائل المسلحة ودمج التشكيلات ضمن المؤسسات السورية، مع إقراره بأن مخاطر تنظيم داعش تراجعت من دون أن تصل الأوضاع إلى مستوى كافٍ من الاطمئنان.
وتنعكس نتائج التنسيق الأمني على فرص التجارة والاستثمار؛ فالمعابر غير المستقرة والمسارات المعرضة للتهديد ترفع كلفة النقل وتضعف فرص المشروعات المشتركة، ما يجعل التعاون الميداني عاملاً أساسياً في استقرار الحركة الاقتصادية على الحدود.
النفط ومسارات التصدير
تمنح الجغرافيا السورية العراق فرصة لإعادة النظر في خيارات تصدير النفط، خصوصاً مع المخاطر التي تواجه طرق الإمداد والتجارة البحرية والضغوط التي فرضتها اضطرابات مضيق هرمز على حسابات الطاقة. ويعتمد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية في تمويل الموازنة العامة، ما يجعل تنويع منافذ التصدير جزءاً من أمنه الاقتصادي.
وخلال المحادثات في دمشق، ناقش الجانبان تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس، ضمن منظومة نقل تصل طاقتها التصديرية المستهدفة، بحسب ما ورد في التقارير عن الاجتماع، إلى مليوني برميل يومياً. ولا يعني طرح هذه الطاقة أن الخط يعمل حالياً بهذه القدرة؛ إذ ما زال المشروع يحتاج إلى أعمال تأهيل وبناء وربط للبنية التحتية، واتفاقات تشغيل وتمويل وضمانات أمنية وقانونية.
ووقّع العراق وسوريا في تموز/ يوليو الماضي مذكرة تفاهم لإحياء خط أنابيب 'حديثة ـ بانياس'، إلى جانب مذكرة تفاهم مع ائتلاف من ثلاث شركات، من بينها شركة شيفرون الأميركية، لتنفيذ المشروع. ويعود تاريخ الخط إلى عام 1952، لكنه خرج عن الخدمة منذ عام 2003 بعد تعرضه لأضرار. ويمثل إحياؤه، إذا اكتملت متطلباته، منفذاً إضافياً لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط.
وقال الشرع إن المحادثات تتناول إعادة بناء خطوط الأنابيب وربطها بمنشآت التكرير والبنى التحتية للموانئ، مشيراً إلى مشاركة شركات إقليمية وأميركية في مناقشات بشأن منظومة متكاملة لنقل النفط وتأهيل المرافق المرتبطة بها. واعتبر أن المشروع يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية للبلدين، فيما أشار إلى أن استثمارات عراقية دخلت سوريا بعد التغيير السياسي، بينها استثمارات في قطاع الأسمنت.
ويرى الباحث عمار جلو أن التحولات الإقليمية، ولا سيما الضغوط التي رافقت أزمة مضيق هرمز، عززت أهمية البحث عن مسارات بديلة وساهمت في تسريع الانفتاح العراقي على دمشق. ويقدّر عبد الله الذبان أن إنجاز مشروع خط الأنابيب قد يستغرق ما بين ثلاثين شهراً وثلاث سنوات، ما يجعله خياراً متوسط المدى لا بديلاً فورياً لمعالجة أي اختناق في الصادرات.
ويشدد الذبان على ضرورة الإبقاء على مسارات التصدير الحالية، وفي مقدمها خط جيهان والمنافذ الجنوبية؛ فتنويع المنافذ لا يتحقق باستبدال طريق بآخر، وإنما ببناء شبكة خيارات تحد من تعرض الإيرادات النفطية للاضطرابات الإقليمية.
وبحسب ما أعلنه الشرع في مقابلة تلفزيونية، بدأ العراق أخيراً تصدير كميات محدودة من النفط عبر سوريا عقب تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز. ويختلف هذا المسار المحدود عن مشروع إعادة تأهيل خط حديثة ـ بانياس، الذي يحتاج إلى استثمارات وأعمال بنية تحتية قبل الوصول إلى الطاقة المستهدفة. وتظل المقارنة بين البدائل ضرورية من حيث الكلفة والقدرة الاستيعابية ومدة النقل والمخاطر، حتى لا تتحول الآمال السياسية إلى تقديرات اقتصادية غير محسوبة.
التجارة وفرص التعافي
تتجاوز المصالح العراقية – السورية ملف النفط إلى إمكانات توسيع التبادل التجاري وتسهيل انتقال السلع والبضائع، فضلاً عن تطوير الربط الطرقي ومشروعات النقل والخدمات. وخلال المقابلة التلفزيونية، قال الشرع إن أكثر من مئة ألف شاحنة عبرت من سوريا إلى العراق بصفة الترانزيت، إضافة إلى أكثر من أربعين ألف شاحنة في عمليات الاستيراد والتصدير المتبادل خلال الأشهر الستة أو السبعة السابقة.
ويجمع جلو فرص التقارب بالتكامل الجغرافي والاجتماعي وتشابك المصالح الاستراتيجية، معتبراً أن التعاون الاقتصادي يمكن أن يمنح العلاقة أساساً أكثر ثباتاً من الاكتفاء بالتفاهمات السياسية. فالعراق يحتاج إلى منافذ ومسارات إضافية لتجارته وصادراته، بينما تحتاج سوريا إلى شراكات إقليمية تساهم في التعافي الاقتصادي وإعادة تنشيط قطاعات النقل والتجارة والطاقة.
وشملت المحادثات العراقية – السورية، بحسب البيانات الرسمية، زيادة حجم التبادل التجاري وتطوير القطاع الزراعي لتحقيق التكامل الغذائي والاقتصادي. وقال الشرع إن البلدين يمتلكان مساحات زراعية واسعة، وقدّرها بما يتراوح بين 80 و100 مليون دونم، داعياً إلى استراتيجية مشتركة لاستثمار الموارد المائية وتطوير الإنتاج باستخدام تقنيات حديثة لترشيد الاستهلاك. كما أشار إلى أن هذه التقنيات قد ترفع الإنتاج الزراعي بنسب تتراوح بين 50 و70 في المئة في بعض المناطق.




































































