اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
كتب المحامي ميشال فلاّح لموقع الصدارة نيوز..
مع كل بحث في مصير الودائع اللبنانية يعود الذهب إلى الطاولة: لماذا لا يُباع جزء من احتياطي مصرف لبنان وتُعاد بأثمانه أموال المودعين؟ يبدو الاقتراح بسيطاً، وربما جذاباً، لكنه يخفي وراءه إشكالية قانونية أشد تعقيداً: هل الذهب مال للدولة أم لمصرف لبنان؟ من يملك التصرف به؟ وهل للمودع حق عليه أصلاً؟ والأهم: هل يجوز استهلاك أصل استراتيجي محمي قبل تحديد من يتحمل قانوناً خسائر الانهيار؟
حظر استثنائي… لا حصانة أبدية
أرسى القانون رقم 42 تاريخ 24 أيلول 1986 نظاماً بالغ الصرامة للذهب، إذ منع بصورة مطلقة التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان أو لحسابه، مباشرة أو غير مباشرة، أياً تكن طبيعة التصرف، إلا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب. ولا يزال مصرف لبنان يدرج القانون رسمياً بعنوان حظر بيع احتياطي الذهب.
إذاً، لا يستطيع حاكم مصرف لبنان ولا الحكومة بيع الذهب بقرار إداري أو بمرسوم. لكن القول إن «القانون يمنع بيع الذهب» ليس كاملاً، غالقانون يمنعه ما لم يتدخل مجلس النواب تشريعياً. بل إن المشرّع الحالي يستطيع، من حيث المبدأ، تعديل أو إلغاء ما قرره مشرّع 1986. فلا يستطيع قانون عادي أن يحصّن نفسه إلى الأبد في مواجهة قانون لاحق. غير أن رفع الحظر لا يمنح البرلمان حرية غير محدودة؛ فالقانون الجديد يبقى خاضعاً للدستور ورقابة المجلس الدستوري.
ولكن لمن يعود الذهب؟
هنا يجب الحذر من عبارتي «ذهب الدولة» و«ذهب الشعب». قانون النقد والتسليف منح مصرف لبنان شخصية معنوية من القانون العام واستقلالاً مالياً، فيما تتعامل المادة 114 صراحة مع «موجودات المصرف من ذهب وعملات أجنبية» وتقيدها في محاسبته. لكن التسجيل في ميزانية المصرف لا يكفي وحده لإطلاق حكم مبسط بأن الذهب «ملكية خاصة» للبنك المركزي بالمفهوم المدني، كما لا يجوز القفز منه إلى النتيجة المعاكسة والقول إنه مال في خزينة الدولة.
الأدق أن الذهب أصل احتياطي موضوع في الذمة المالية والنظام المحاسبي لمصرف لبنان، ومخصص لوظيفته النقدية، وخاضع لنظام قانوني خاص. وهذه الطبيعة الوظيفية أهم من الجدل اللفظي حول المالك. والمقارنة تؤكد ذلك. ففي فرنسا، ينص قانون النقد والمال صراحة على أن بنك فرنسا «يحوز ويدير احتياطيات الدولة من الذهب والعملات» ويسجلها في أصول ميزانيته. أي إن الحيازة والإدارة والقيد في الميزانية لا تتطابق بالضرورة مع مفهوم الملكية المدنية للأصل.
وفي إيطاليا ذهب المشرّع سنة 2025 إلى النص على أن احتياطيات الذهب التي يديرها ويحوزها بنك إيطاليا والمسجلة في ميزانيته «تعود إلى الشعب الإيطالي»، لكنه أبقى ذلك خاضعاً لاستقلال البنك المركزي وقواعد النظام الأوروبي. وقد أكد حاكم بنك إيطاليا أن النص لم يغير المعالجة المحاسبية للذهب ولا وظائف البنك المتعلقة بحيازته.
المودع يملك وديعته… لا سبائك الذهب
وهنا يقع الخلط الأكبر. لا شك في أن حقوق المودعين حقوق مالية تستوجب الحماية القانونية، وأن الملكية محمية بموجب المادة 15 من الدستور، فضلاً عن تكريس النظام الاقتصادي الحر والملكية الخاصة في مقدمة الدستور. لكن حماية الوديعة لا تعني أن المودع أصبح صاحب حق عيني على موجودات مصرف لبنان. فالمودع دائن للمصرف التجاري الذي تلقى وديعته. وقد يكون المصرف بدوره دائناً لمصرف لبنان أو صاحب حساب لديه. لكن هاتين علاقتان قانونيتان مستقلتان.
ألف مدين لباء، وباء مدين لجيم، لا يعني أن جيم أصبح مديناً لألف. وبالتالي، لا يستطيع المودع، لمجرد أن مصرفه وظّف أموالاً لدى مصرف لبنان، القول إن له حصة مقابلة في سبائك الذهب. الذهب ليس ضمانة عينية فردية للوديعة، ولا يوجد في القانون النافذ تخصيص له لمصلحة المودعين. وهذا لا ينتقص من حقوقهم، بل يحدد بدقة من يجب مطالبتُه بها وعلى أي أساس قانوني.
هل تحسم المادة 113 مسؤولية الدولة؟
تنص المادة 113 من قانون النقد والتسليف، في معرض تنظيم النتيجة السنوية لمصرف لبنان، على أنه إذا انتهت إحدى السنوات بعجز، تغطى الخسارة من الاحتياط العام، وعند عدم وجوده أو عدم كفايته «تغطى الخسارة بدفعة موازية من الخزينة».
النص واضح، ولا يجوز تجاهله. لكنه لا يسمح وحده بالقفز إلى استنتاج أن كل الفجوة المتراكمة في ميزانية مصرف لبنان منذ الأزمة أصبحت تلقائياً ديناً نقدياً حالاً على الخزينة اللبنانية. ذلك يحتاج أولاً إلى تحديد ماهية الخسائر، وتدقيق الميزانية، والتمييز بين الخسارة المحققة وغير المحققة، وبين خسائر العمليات النقدية والالتزامات الأخرى، وتحديد السنة التي تحققت فيها وكيفية تطبيق المادة 113 عليها. وبالتالي فالمادة 113 لا تحسم النزاع، لكنها تمنع أيضاً تجاهل مسؤولية الدولة مسبقاً.
وهنا تحديداً يصبح بيع الذهب قبل تحديد الخسائر والمسؤوليات إشكالياً، إذ كيف نقرر استهلاك أصل من أصول المصرف قبل أن نعرف قانوناً ما إذا كانت الخزينة ملزمة بتغطية جزء من خسائره، وما إذا كانت المصارف ومساهموها ملزمين بتحمل جزء آخر؟
سلطة البرلمان ليست شيكاً على بياض
إذا أصدر مجلس النواب قانوناً يسمح ببيع جزء من الذهب، فلن يكون السؤال الدستوري مقتصراً على احترام قانون 42/1986، لأن القانون الجديد يستطيع تعديله. إنما ستنتقل الرقابة إلى مضمون الحل نفسه. فالدستور يكرس المساواة في المادة 7 ويحمي الملكية في المادة 15. وقد استقر اجتهاد المجلس الدستوري على اعتبار المساواة مبدأ ذا قيمة دستورية، وعلى إخضاع التمييز بين الفئات لوجود اختلاف موضوعي يبرره وعدم منح فئة منفعة مفرطة على حساب أخرى.
لذلك، إذا خصص القانون حصيلة الذهب لسداد الودائع، فستظهر أسئلة لا يمكن تجاوزها: هل يستفيد جميع المودعين بالنسبة نفسها؟ هل تعطى الأولوية للودائع الصغيرة؟ ماذا عن المصارف متفاوتة الملاءة؟ وماذا عن المساهمين الذين يفترض أن يتحمل رأس مالهم الخسائر قبل أموال الغير؟ وهل يجوز تحميل أصل نقدي عام خسائر خاصة قبل استنفاد مسؤولية من تسبب بها أو استفاد منها؟
المجلس الدستوري لا يقرر السياسة المالية الفضلى، لكنه يستطيع مراقبة احترام التشريع للمبادئ الدستورية، وإبطال النص المخالف كلياً أو جزئياً.
الذهب ليس «مالاً مجانياً»
ثمة مسألة أخرى غالباً ما تضيع في النقاش، ان ارتفاع سعر الذهب لا يعني أن الأرباح الناتجة عن إعادة تقييمه أصبحت سيولة جاهزة للإنفاق. التجربة الإيطالية مفيدة هنا. ففي 2025 بلغت الأرباح غير المحققة الناتجة عن ارتفاع قيمة احتياطي الذهب لدى بنك إيطاليا 91 مليار يورو، لكنها لم تدخل في حساب الأرباح والخسائر، بل قيدت في حساب إعادة تقييم لمواجهة التقلبات المستقبلية في السعر.
والفكرة القانونية-المحاسبية جوهرية، إذ ان ارتفاع القيمة السوقية لأصل احتياطي ليس هو نفسه تحقيق ربح نقدي قابل للتوزيع. ولا تتحول الزيادة إلى سيولة إلا عند التصرف بالأصل، أي عند التخلي عن جزء منه. وهنا يصبح ثمن بيع الذهب الحقيقي أكثر وضوحاً. الدولة لا «تستخرج» أرباحاً كامنة فحسب، بل تستبدل أصلاً احتياطياً دائماً بسيولة تُستهلك مرة واحدة.
قبل الذهب: ترتيب المسؤوليات
ربما يكون السؤال المطروح على اللبنانيين مقلوباً. ليس السؤال الأول: هل يجوز قانوناً بيع الذهب؟ فالجواب المبدئي واضح: نعم، إذا أجاز مجلس النواب ذلك بقانون، مع بقاء القانون خاضعاً للرقابة الدستورية.
وليس السؤال: هل للمودعين حق في الذهب؟ فالجواب أيضاً واضح: لهم حقوق مالية يجب حمايتها، لكن لا يثبت لهم في القانون الحالي حق عيني مباشر في سبائك مصرف لبنان.
السؤال الحقيقي هو: في أي مرحلة من توزيع خسائر الانهيار يجوز الوصول إلى الذهب؟
هنا يجب أن يبدأ القانون من ترتيب المسؤوليات: تحديد الخسائر أولاً، ثم تحديد مسؤولية المصارف ومساهميها وإداراتها، ثم مسؤولية مصرف لبنان، ثم نطاق مسؤولية الدولة، بما في ذلك الأثر القانوني للمادة 113، ثم تحديد الحقوق التي يجب ردها للمودعين وترتيبها. بعد ذلك فقط يمكن مناقشة ما إذا كانت المصلحة العامة تستوجب استخدام جزء من الذهب.
أما بيع الذهب أولاً ثم البحث لاحقاً عمن تسبب بالخسائر، فينطوي على خطر قانوني وسياسي بالغ: تحويل أصل وطني استثنائي إلى أداة لمحو الخسارة قبل تحديد المسؤول عنها. وهنا تكمن فلسفة قانون 1986. فالمشرّع لم يمنع بيع الذهب لأنه أصل مقدس، بل أقام حوله حاجزاً تشريعياً استثنائياً يمنع استهلاكه بقرار تنفيذي عابر.
وبعد أربعين عاماً، يجوز للبرلمان قانوناً أن يفتح ذلك الحاجز. ولكن مسؤوليته عندها لا تكون في الإجابة عن سؤال «هل نستطيع؟» وحده، بل عن سؤال أخطر:
لماذا وصل الدور إلى الذهب، ومن كان يجب أن يدفع قبله؟
فالدولة التي تبيع آخر أصولها المحمية قبل أن تحدد مسؤولية المدين والمتسبب بالخسارة لا تكون قد حلّت المشكلة القانونية للودائع، بل قد تكون استبدلت بها مشكلة أخرى: اجتماع الخسارة الخاصة مع استنزاف
الأصل العام، فيما بقيت المسؤولية بلا صاحب.











































































