اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
كتب حامد الدقدوقي في موقع الصدارة نيوز…
في 8 كانون الأول 2023، تقدّم الطاعنون بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة بوجه الدولة اللبنانية، ممثلة برئاسة مجلس الوزراء، والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، طالبوا فيها بإبطال القرار رقم 55 الصادر عن المجلس بتاريخ 9 أيلول 2023، والمتعلق بتعديل سن انتهاء ولاية المفتيين، معتبرين أن القرار معدوم الوجود، ومبررين تحركهم بأنه يهدف إلى حماية الطائفة الإسلامية السنية.
وبالتوازي مع المسار القضائي، انطلقت حملات منظمة ضد مقام دار الفتوى، سبقت تقديم المراجعة ومهّدت لها عبر تسريبات إعلامية نشرتها بعض الصحف المحلية والمواقع الإلكترونية، التي لم تكتفِ باستعراض السيناريوهات المحتملة لما وصفته بسقوط الدار، بل ذهبت إلى حد كتابة الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل قبل أن تبدأ فصوله القضائية.
ومع مرور الأيام، أخذت الحملة تتصاعد، وتوسعت عبر مجموعات على تطبيق 'واتساب' وصفحات على 'فيسبوك'، أُنشئت بأسماء مختلفة، وتحولت، وفق ما بدا من طبيعة نشاطها وتنسيقها، إلى ما يشبه غرف عمليات تهدف إلى تحقيق غاية واحدة.
غير أن ثمة تفصيلاً أساسياً يحاول الطاعنون ومن يؤيدهم تغييبَه، أو على الأقل إبعاده عن النقاش العام، وهو أن المعركة لا تتعلق، كما يحاولون تصويرها، بشخص المفتي الحالي أو بما يصفونه بأنه تمديد لنفسه. فالقرار المطعون فيه لم يمدد ولاية المفتي الحالي فحسب، بل تناول تعديل سن انتهاء ولاية المفتيين، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول حقيقة الأهداف الكامنة وراء الحملة، ومدى ارتباطها بشخص المفتي أو بمؤسسة دار الفتوى ككل.
فدار الفتوى، باعتبارها المرجعية الدينية للمسلمين السنة في لبنان، لطالما اضطلعت بدور وطني قائم على الاعتدال والوسطية، وكانت صوتاً للحوار والتقريب بين مختلف الأطراف، وسعت إلى الحفاظ على أصول التعاليم الدينية والشرعية. إلا أن هذا الدور، في ظل حالة الانقسام والتوتر التي تشهدها البلاد، بات عرضة لمحاولات تهميشه أو توظيفه في صراعات لا تخدم رسالته التاريخية.
ويبدو أن هناك من يسعى إلى تحويل الدار من مرجعية جامعة إلى طرف في الصراعات السياسية، ومن مؤسسة حوارية إلى منصة لمواجهة مشاريع الدولة، بما قد يفضي إلى إضعاف دورها الوطني والتاريخي، ويفتح الباب أمام محاولات تفتيت المؤسسة التي لطالما شكّلت مظلة جامعة لأبناء الطائفة.
ولعل المفارقة الأبرز أن بعض الطاعنين أنفسهم سبق أن حذّروا من مشاريع تستهدف المجتمع السني، سواء من خلال طرح قوانين تتصل بالأحوال الشخصية أو عبر ما وصفوه بخطر بعض المنظمات والشخصيات المتغلغلة في المجتمع، مشيدين في الوقت نفسه بمواقف دار الفتوى ومفتي الجمهورية. فكيف يمكن التوفيق بين تلك المواقف السابقة وبين ما يجري اليوم من تصعيد يستهدف المؤسسة نفسها؟
إن المراجعة القضائية وما رافقها من حملات إعلامية لا يمكن فصلهما عن مناخ أوسع من الاستهداف، لا يقتصر على شخص المفتي أو على قرار المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى. وما يُتداول في بعض المجالس الخاصة، وما يُسرّب عن نية مجموعة من المحامين التقدم بشكاوى ضد أعضاء في المجلس الشرعي، يثير مخاوف من أن تكون هذه التحركات مقدمة لتوسيع دائرة المواجهة لتشمل مؤسسات أخرى.
فليس مستبعداً، في ظل هذا المسار، أن يُطرح مستقبلاً مشروع لإعادة تنظيم الأوقاف تحت عنوان الإصلاح، أو أن تظهر اقتراحات بإسناد إدارتها إلى شركات خاصة، تحت شعار التطوير وتحسين الأداء. وقد يتجاوز الأمر ذلك إلى طرح أفكار تمس نظام الأسرة المسلمة، وصولاً إلى المطالبة بإلغاء المحاكم الشرعية وضمها إلى قصور العدل، في خطوة من شأنها أن تفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل المؤسسات الدينية ودورها في المجتمع اللبناني.
إن محاولات إلغاء المؤسسات الدينية أو إضعافها ليست وليدة اللحظة، بل رافقت نشأتها بأشكال وأساليب مختلفة، تتبدل فيها العناوين والشعارات، وتتغير الجهات والأشخاص، فيما يبقى الهدف، بحسب ما توحي به هذه التحركات، هو تقليص دور تلك المؤسسات والنيل من مكانتها. وغالباً ما يجري تسويق هذه المحاولات تحت عناوين الإصلاح والتطوير والتحديث، وهي عناوين لا يمكن لأحد أن يعترض عليها من حيث المبدأ، لكن العبرة تبقى في الوسائل والغايات والنتائج.
فالإصلاح والتطوير يجب أن يكونا في صدارة أولويات القائمين على المؤسسات الدينية، لكنهما لا يتحققان عبر الحملات والتشهير وتصفية الحسابات، بل من خلال الحوار والنقاش المسؤول، والمعارضة البناءة، وطرح مشاريع عملية قابلة للتنفيذ، بعيداً عن الشعارات البراقة التي قد تخفي وراءها أهدافاً أخرى.
ومن هذا المنطلق، سنبقى نطالب بالإصلاح والتغيير، ونشجع على الحوار، ونتمسك بحق الاختلاف، شرط أن يبقى كل ذلك تحت سقف المؤسسة، وأن تكون النصيحة وسيلة للإصلاح لا للتشهير، وأن يكون الهدف معالجة الأخطاء لا استغلالها للنيل من الآخرين أو تصفية الحسابات الشخصية.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بما قاله الإمام الشافعي: 'من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه'، وبما ورد عن السلف: 'من أمر أخاه على رؤوس الملأ فقد عيّره'. فالنصيحة الحقيقية لا تقوم على فضح العيوب أمام الناس، بل على الحرص على الإصلاح وصون كرامة من نوجّه إليه النقد.
واليوم، يحتفل الطاعنون بما توصلوا إليه من خلال قبول المراجعة، فيما شرب المتآمرون على الدين والإسلام والطائفة السنية نخب الانتصار. فما كان يسعى إليه خصوم المؤسسات الدينية وأصحاب المشاريع العلمانية، الذين لطالما شككوا في قدرة هذه المؤسسات على إدارة شؤونها، بات يجد من يساهم في تحقيقه من داخل البيئة الدينية نفسها، ومن أشخاص يرفعون شعارات الدفاع عن الإسلام والانتماء إليه.
وهنا تكمن خطورة المرحلة، في أن يتحول الخلاف إلى مواجهة مفتوحة مع مؤسسة دينية لها تاريخها ودورها، وأن يصبح الإصلاح المعلن مدخلاً لتقويض المؤسسات بدلاً من تطويرها. فالمؤسسات لا تُحمى بتعطيل النقد، كما أنها لا تُصلح بالتشهير والهدم، بل بإرادة صادقة في الإصلاح، وبحوار مسؤول يحفظ لها دورها ومكانتها











































































