اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
أحيانًا تكفي صورة لرضيع يرضع من أمه، وفي الخلفية بندقية، لتختصر حكاية حرب كاملة؛ لحظة يصبح فيها الموت قريبًا، فلا يبقى للإنسان سوى منح من يحب لحظة أمان.
وتبقى غزة مرآة لعالم يتحدث عن حقوق الإنسان، ثم يصمت حين يكون الإنسان فلسطينيًا؛ يكفي أن ترى وجها يخرج من تحت الركام، أو رضيعا في حضّانة تتوقف حياته على الكهرباء، لتدرك كيف تفقد الحرب إنسانيتها.
في فيتنام، عام 1972، عاشت نجويـن ثي تو، أو «الأخت تو»، قصة قاسية، كانت أمًا لأربعة أطفال وزوجة لأحد قادة المعارضة الفيتنامية، وحين اعتُقلت تعرضت للضرب والتعذيب لإجبارها على الإدلاء بمعلومات عن زوجها ورفاقه.
تظهر الصورة الأخت تو وهي تحمل طفلتها التي لم تتجاوز عشرة أشهر، وخلفها جندي أمريكي، لكن المشهد لا يمكن قراءته باعتباره لحظة إنسانية؛ فما إن انتهت الرضعة حتى انتُزعت الأم من طفلتها وقُتلت بالرصاص، وتركت الصغيرة لتكمل حياتها وحيدة.
في غزة، لا تحتاج المأساة إلى صورة قديمة: هناك بيت تحول إلى ركام، مدرسة تُقصف بمن احتموا بها، سيارة إسعاف تتعرض للنيران، وطبيب يقف أمام عشرات المصابين بما لا يكفي من دواء أو معدات.
وفي المستشفيات، تتعلق الحياة بمولد كهرباء، وجهاز تنفس، وحضّانة، وغرفة عمليات، ثم يأتي أمر الإخلاء، أحيانًا مسبوقًا بتحذير.
لكن التحذير لا يصبح إنسانيًا لمجرد أنه سبق القصف، ماذا يفعل مريض لا يستطيع مغادرة سريره؟ وماذا يفعل رضيع في حضّانة؟ وماذا يفعل جريح خرج من غرفة العمليات؟
التحذير لا يصنع طريقًا آمنًا، ولا يحمل مريضًا، ولا يوفر دواءً، ولا يضمن أن المكان الذي سيهرب إليه المدنيون لن يكون تحت القصف؛ قد يخبرك بأن الموت قادم، لكنه لا يمنحك وسيلة للفرار منه.
أما خارج المستشفيات، فتمتد طوابير النازحين، حقائب صغيرة تحمل ما تبقى من حياة، وطرق يسلكها الناس بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، وبين الركام، تبقى التفاصيل الصغيرة شاهدة على أصحابها: دفتر مدرسة، حذاء وحيد، دمية عالقة بين الحجارة، وصورة عائلية نجت من القصف أكثر مما نجا أصحابها.
هذه ليست صورًا؛ إنها آثار حياة، فمن فيتنام إلى العراق، ومن الحروب الأمريكية إلى الإبادة الإسرائيلية في غزة، كثيرًا ما جاءت اللغة نفسها: الأمن، الحرب على الإرهاب، حماية المدنيين، الدفاع عن النفس، وإنقاذ الشعوب؛ لكنها شعارات تخفي الألم.
وهنا تعود قصة الأخت تو، لا لأن التاريخ يتكرر حرفيًا، بل لأن قيمة الحياة واحدة، تتغير الشعارات والجيوش، لكن الوجه القبيح للقتل لا يتغير.
هنا في غزة، تتجسد المأساة، ويخرج القتل من المشهد؛ جائعون يتوجهون إلى مراكز توزيع الغذاء الأمريكية بحثًا عن لقمة، فإذا بمشهد المساعدة نفسه يتحول إلى ساحة قتل.
فالقتل هو القتل، والرواية الإنسانية لا تمحو أثره، ولهذا تخفي بعض الصور كواليس الإبادة، وتظهر فقط المكياج الذي تحاول الجيوش وضعه على وجه الحرب: الممرات الإنسانية، وإخراج السكان من مناطق القتال، والتحذير قبل القصف، وتقديم المساعدات.
قناع تبخر في غزة، وفضح ستره حين أصبح القتل للتسلية والعالم يعصب عينيه.
غزة فضحته حين أصبح الممر طريقًا للنزوح، والتحذير بابًا آخر للخوف، والمساعدة مشهدًا يجاور الموت، والصمت الدولي غطاءً يستمر فوق كل ذلك.
لكن الضحايا هم الضحايا؛ فالطفل في فيتنام كان طفلًا، والطفل في العراق كان طفلًا، والطفل في غزة طفل أيضًا، يتغير المكان، وتتغير السنوات، وتتبدل الشعارات.. لكن حين يصبح المدني محاصرًا بين الموت والعجز، لا يعود السؤال: من انتصر؟ بل: أين ذهبت الإنسانية؟

























































