اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
لستُ خبيرةً في سياسات المملكة العربية السعودية، ولا أكتب من موقعٍ سياسي، بل من موقع الإنسان الذي لا يستطيع أن يفصل ذاكرته عن وجدانه، أو أن يتنكّر لما اختبره وطنه من مواقف.أكتب لأنّني لبنانية، ولأنّ لبنان، في أحلك مراحل تاريخه، لم يكن يحتاج إلى من يراقب انهياره فحسب، بل إلى من يمدّ إليه اليد، ويؤمن بأنّ هذا البلد، على جراحه وانكساراته، يستحقّ أن يبقى واقفاً.وحين أستعيد علاقة المملكة العربية السعودية بلبنان، لا يمكنني أن أمحو من ذاكرتي محطاتٍ تركت أثرها في تاريخ البلدين والشعبين.
في عام ١٩٨٩، احتضنت مدينة الطائف الاتفاق الذي شكّل محطةً مفصلية في مسار إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وفتح باباً نحو المصالحة الوطنية وإعادة بناء الدولة. ثم جاءت سنوات إعادة الإعمار، حين حاول لبنان النهوض من بين أنقاض الحرب، وكانت للمملكة مساهماتٌ في دعم مشاريعه الإنمائية ومؤسساته واقتصاده.
وفي حرب عام ٢٠٠٦، حين امتدّ الدمار إلى البيوت والقرى والبنى التحتية، كانت المملكة من الدول التي قدّمت الدعم للبنان. وبعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب ٢٠٢٠، تحرّكت جهاتٌ سعودية لتقديم المساعدات الطبية والإغاثية، في وقتٍ كان فيه اللبنانيون يواجهون واحدةً من أكثر الكوارث إيلاماً في تاريخهم الحديث.
هذه ليست تفاصيل عابرة في سجلّ العلاقات بين الدول والبشر، فخلف كلّ مساعدة إنسانٌ احتاج إلى فرصةٍ جديدة، وخلف كلّ دعمٍ أسرةٌ حاولت تجاوُز محنتها، وخلف كلّ مبادرةٍ أملٌ في بلدٍ أتعبته الأزمات.
لقد شملت المساعدات السعودية للبنان قطاعاتٍ إنسانية وإنمائية متعدّدة، من الصحة والتعليم إلى الإغاثة والبنية التحتية. ومن الإنصاف أن تحفظ الذاكرة هذه المحطات، وأن تعترف بما حملته من دعمٍ ومساندة، فليس مطلوباً من الإنسان أن يفهم كلّ السياسة كي يعرف قيمة الوفاء ويعترف بالجميل.
الشعوب ليست حكوماتها فقط، والدول ليست قراراتها وحدها. فهناك روابط تصنعها سنوات العيش والعمل، وصداقاتٌ تنمو بين البيوت، وأيدٍ تمتدّ في لحظات العوز، وقلوبٌ تتعلّق بأرضٍ تجد فيها الأمان والكرامة.
ومن لبنان الذي عرف الحروب وذاق مرارة الخوف، أعرف أنّ السلام ليس مجاملةً عابرة، بل حقّ لكلّ إنسان، وأمنيةٌ لكلّ وطن يريد أن يبقى عامراً بالحياة.
أنا لبنانية، أحمل وطني في قلبي، وأحفظ للمملكة ما أراه جديراً بالحفظ من مواقفها تجاه لبنان. أؤمن بأنّ الكرامة لا تتجزّأ، وأنّ محبّة وطنٍ لا تمنع محبّة وطنٍ آخر.
لكنّ ثمّة سبباً آخر يجعل دعائي للمملكة أقرب إلى قلبي، وأكثر من مجرّد موقفٍ إنساني.كيف لي ألّا أصلّي لأمن المملكة وأمانها، وفيها قطعةٌ من قلبي؟كيف لا أدعو لها بالسلام، وعلى أرضها وجهٌ أحبّه، وروحٌ هي امتدادٌ لروحي، أختي؟فبعض الأوطان نحبّها لأنّها أوطان، وبعضها يصبح لنا وطناً لأنّ فيها مَن نحبّ. وحين تكون أختي في المملكة، يصبح أمنها من أماني، وسلامها من سلامي، ويغدو الدعاء لها دعاءً لقطعةٍ من قلبي.
وفي الختام، لا أجد أصدق من صوت فيروز، حين غنّت:يا قارئ القرآن، صلّي لهم، أهلي هناك، وطيّب البيدامن راكعٍ ويداه أنساتاه، أليس يبقى الباب موصوداأنا أينما صلّى الأنام، رأت عيني السماء تفتّحت جودا
إلى المملكة العربية السعودية، أرضاً وقيادةً وشعباً، حفظ الله أمنكم، وصان استقراركم، وأدام على أرضكم الأمان، وأبعد عنكم شرّ الحروب ووجعها، وجعل السلام سقفاً لكلّ بيت، والطمأنينة نصيباً لكلّ قلب.











































































