اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٦ شباط ٢٠٢٦
إذا كان رمضان هو شهر القرآن، فإن «صوت الصائم» هو تلك النبرة الرخيمة التي تنبعث من مآذن الحواضر العربية، لتمزج بين خشوع العبادة وجماليات الفن المقامي. في رمضان، يتحول المؤذنون والمنشدون إلى «أدلاء أرواح»، يقودون الجماهير في رحلة من الصبر والرجاء. من «أذان الحرمين» المهيب الذي يهز جبال مكة، إلى «تواشيح» القاهرة و«مقامات» بغداد و«نوبات» المغرب، تظل الحنجرة العربية هي الأداة الأرقى التي جسدت روحانية هذا الشهر عبر العصور، محولة الهواء إلى تسابيح تملأ المدى.
•تاريخ «الأذان السلطاني».. من بلال إلى مدارس المقامات لم يكن الأذان في رمضان مجرد نداء للصلاة، بل كان «فنًا سياديًا» تعتني به الدولة. يذكر المؤرخ أحمد بن علي المقريزي في «الخطط» أن الدولة الفاطمية ثم المملوكية كانت تختار للمؤذنين في الجوامع الكبرى (كالأزهر والظاهر) أصحاب الأصوات «الحسنة القوية»، وكان يُطلق على رئيسهم لقب «شيخ المؤذنين». ويذكر القلقشندي في «صبح الأعشى» أن هناك ما كان يُعرف بـ «الأذان السلطاني»، وهو أذان يشترك فيه مجموعة من المؤذنين بأصوات متوافقة (الأداء الجماعي)، خاصة في صلاة التراويح والفجر. وفي دمشق، يروي ابن كنان في «يوميات شامية» عن طقس «التسابيح»؛ وهي ابتهالات تسبق أذان الفجر بنصف ساعة، يتبارى فيها المنشدون في إظهار قدراتهم في مقامات «الرست» و»البيات»، لتنبيه الناس للسحور بأسلوب فني يجمع بين الوعظ والطرب الروحي.
•الجزيرة العربية والخليج.. «أذان الحجاز» وهيبة الهدوء في دول الخليج العربي، يرتبط رمضان بصوت الأذان الذي يجمع بين الوقار والصفاء، مع تميز مدرسة «الأذان الحجازي» التي تُعد الأقدم والأكثر تأثيراً. في مكة والمدينة يُعد الأذان المكي بمقاماته الخمسة (الحجاز، الرست، البيات، السيكا، والجهاركاه) هو الإيقاع الروحي الذي يضبط نبض الملايين. يذكر الباحثون في تاريخ الحرمين أن «مؤذني الحرم» كانوا يتوارثون المقامات جيلاً بعد جيل، لضمان بقاء النبرة «الندية» التي تخترق القلوب والآفاق. في دول الخليج (الكويت، الإمارات، قطر، البحرين، وعمان): يتميز الأذان بنبرة هادئة ورصينة تميل إلى مقام «البيات» الذي يوحي بالخشوع. وفي الإمارات وعمان، يحرص المؤذنون في رمضان على أداء «الدعاء» خلف الأذان بصوت رخيم، وهو ما يُعرف بـ «التهليل»، حيث يجتمع المصلون في باحات المساجد بانتظار الصلاة وهم يستمعون لتلك الابتهالات التي تدعو بالبركة والقبول لأهل «الفريج».
•مصر.. عصر «العمالقة» وسلاطين الابتهالات مصر هي مدرسة لا بل «أكاديمية» في فنون الإنشاد الديني والابتهال الرمضاني. يذكر المؤرخ الجبرتي أن المقاهي والساحات في القاهرة كانت تخلو من المارة وقت المغرب ليس للأكل فحسب، بل للاستماع إلى «منشدي الحضرة». في القرن العشرين، صاغت حناجر كـ الشيخ محمد رفعت والشيخ سيد النقشبندي والشيخ طه الفشني وجدان العرب. ابتهال «مولاي إني ببابك» للنقشبندي أصبح هو «النشيد الوطني» للغروب الرمضاني في معظم الإذاعات العربية. وتتميز المدرسة المصرية بقدرتها الفريدة على «التلوين المقامي» بين «الصبا» الحزين للفجر و«السيكا» المبهج للإفطار، مما يجعل من صوت المؤذن في القاهرة خارطة مشاعر متكاملة.
•بلاد الشام والعراق.. مقامات «القدود» وشجون «بغداد» في سوريا ولبنان: يبرز فن «التواشيح» الرمضانية التي برع فيها منشدون مثل الشيخ بكري الكردي والشيخ حمزة شكور ونقيب المنشدين توفيق المنجد. في دمشق، لا يزال طقس «الأذان الجماعي» في الجامع الأموي قائماً، حيث يؤذن سبعة مؤذنين معاً في هارموني مذهل. وفي بيروت، كان منشدوا «جمعية المقاصد» و»المساجد العريقة» يؤدون ما يسمى بـ «الوداعية» في العشر الأواخر، وهي أناشيد حزينة تودع الشهر بمقامات شجية. في العراق يختلط الأذان بـ «المقام العراقي» الأصيل. يذكر الباحثون في التراث البغدادي أن مؤذني مساجد «أبي حنيفة النعمان» و»الكيلاني» يميلون لمقام «اللامي» و»الأرواح»، وهي مقامات تفيض بالشجن، مما يجعل من فجر بغداد الرمضاني تجربة روحية لا تُنسى، يمتزج فيها صوت المؤذن بهدير نهر دجلة.
•المغرب العربي.. «السماع» الصوفي والنفحات الأندلسية في دول المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس)، يأخذ الإنشاد طابعاً صوفياً جماعياً يُعرف بـ «فن السماع». يذكر أنه في المساجد في القيروان وفاس والقصبة الجزائرية تشهد بعد صلاة التراويح مجالس لـ «الذكر» تُستخدم فيها الطبوع الأندلسية. يتميز الأذان المغربي بـ «السرعة» والوقار، مع غياب «التمطيط» الموسيقي، لكن التعويض يأتي في الابتهالات التي تسبق السحور، حيث تُنشد قصائد «البردة» للإمام البصيري و»الهمزية» بأداء جماعي مذهل يهز جدران المساجد العتيقة، ويُشعِر الصائمين بعظمة الانتماء لهذا التاريخ الممتد.
•اليمن والسودان.. أصوات الفطرة والوجد في اليمن يبرز الأذان الصنعاني الذي يتسم بـ «الحدة» والجمال الرخيم. يذكر المؤرخ الحجري أن اليمنيين لديهم طريقة فريدة في «تلبية» الأذان، حيث يتبعون المؤذن بـ «زواميل» دينية (أهازيج) في طريقهم للمساجد. وفي حضرموت، يشتهر منشدون يؤدون «الحداء» الرمضاني بكلمات بسيطة وعميقة تخاطب الفطرة. في السودان الإنشاد الرمضاني هو مرادف لـ «المديح النبوي». بمجرد اقتراب الفجر، تخرج مجموعات «الدراويش» بـ «النوبات» (الطبول) في مسيرات إنشادية. المؤذن السوداني يميل إلى مقام «الخماسي» الذي يتميز بالبساطة والصدق العاطفي، مما يمنح ليالي الخرطوم و»أم درمان» نكهة أفريقية إسلامية فريدة.
•«الصوت» في رمضان.. الأمان الجماعي صوت المؤذن والمنشد في رمضان يعمل كـ «منبه وجداني» و»رباط أمان». إن انتظار صوت الأذان في المغرب ليس طلباً للطعام فحسب، بل هو انتظار لـ «الإذن الإلهي» الذي يجمع الملايين في ذات اللحظة. إن هؤلاء «المنشدين» هم الذين حفظوا لنا المقامات العربية من الاندثار، حيث ظلت المآذن هي «الأكاديميات» التي علمت الناس فنون الإلقاء ومخارج الحروف وجماليات النغم الصافي.
****
إن حناجر المؤذنين والمنشدين في الوجدان العربي هي «الجسور» التي تربط الأرض بالسماء في هذا الشهر الكريم. من «مكبرات» مكة إلى «صوامع» المغرب، ومن «مآذن» القاهرة إلى «منارات» بغداد، يظل الصوت الرمضاني هو الخيط الحريري الذي ينسج وحدة الأمة. سيظل هؤلاء «الحراس» يرفعون نداء الحق، ويجملون ليالينا بالابتهال، مذكريننا بأن رمضان هو شهر «الكلمة الطيبة» واللحن الذي لا يشيخ، والنداء الذي يجدد فينا الإيمان في كل فجر ومغيب.











































































