اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ١٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
خاص الهديل…
كهرمان….
لم يكن دخول إسرائيل على خط المواجهة في سوريا، عبر تصريح وزير خارجيتها جدعون ساعر، حدثاً عابراً أو موقفاً إنسانياً طارئاً. فالبيان الذي دان فيه ما وصفه بـ'الهجمات الخطيرة والجسيمة' التي جرت في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، جاء محملاً برسائل سياسية تتجاوز ظاهر الدفاع عن أقلية مضطهدة، ليكشف عن دور إسرائيلي نشط في إعادة رسم مشهد الصراع السوري، ولو من خلف الستار.
للوهلة الأولى، يبدو تصريح ساعر وكأنه اصطفاف أخلاقي إلى جانب الأكراد، مستنداً إلى دورهم في قتال تنظيم 'داعش' وإلى خطاب 'حماية الأقليات' الذي تحبه العواصم الغربية. لكن التمعّن في مضمون البيان وتوقيته يوضح أن إسرائيل لا تتحرك بدافع 'الأخوة' أو الالتزام المباشر تجاه الأكراد، كما تفعل في خطابها حيال الدروز، بل من منطلق توظيف قضيتهم كورقة ضغط سياسية وأمنية.
أولى الرسائل الإسرائيلية كانت موجهة بوضوح إلى تركيا. فإعلان أنقرة استعدادها لدعم قوات الحكومة السورية ضد المقاتلين الموجودين في الحييّن، تحت شعار 'دولة واحدة، جيش واحد»، لم يمر مرور الكرام في تل أبيب. تصريح ساعر جاء بمثابة تحذير مبطن من تمدد النفوذ التركي في شمال سوريا، ومن تحول هذا النفوذ إلى شراكة أمنية كاملة مع دمشق، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديداً استراتيجياً غير مباشر، خصوصاً في ظل تداخل الملفات السورية والتركية والإيرانية.
أما الرسالة الثانية، فكانت موجهة إلى واشنطن. حين تحدث ساعر عن تناقض 'القمع الدموي للأقليات' مع وعود 'سوريا الجديدة'، لم يكن ينتقد دمشق بقدر ما كان يشكك في الرهان الأمريكي عليها. فالتلميح إلى أن الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها دونالد ترامب، ربما 'انخدعت' بوعود إقليمية – سعودية وتركية – يكشف محاولة إسرائيلية لإعادة توجيه البوصلة الأمريكية، والتحذير من سياسة رفع العقوبات والتطبيع غير المشروط مع النظام السوري.
اللافت أن هذا الموقف الإسرائيلي جاء بعد أيام فقط من توقيع اتفاق بين إسرائيل و'سوريا الجديدة' لإنشاء آلية لإدارة الأزمات ومنع الصراعات. هذا التزامن يفضح ازدواجية الدور الإسرائيلي: من جهة، تنسيق أمني مباشر مع دمشق، ومن جهة أخرى، تصعيد سياسي وإعلامي تحت عنوان حماية الأقليات. وهو ما يؤكد أن إسرائيل لا تنظر إلى الملف السوري كقضية أخلاقية، بل كساحة مفتوحة لتبادل الرسائل وضبط التوازنات.
في المحصلة، لم يكن بيان جدعون ساعر دفاعاً صافياً عن الأكراد، بقدر ما كان جزءاً من لعبة إقليمية معقدة، تستخدم فيها إسرائيل معاناة الأقليات لتسجيل نقاط على خصومها، وخصوصاً تركيا، وللتأثير في القرار الأمريكي. أما الأكراد أنفسهم، فيبقون مرة أخرى في موقع الورقة المستعملة، لا الشريك المحمي، في صراع تتقاطع فيه المصالح وتغيب فيه العدالة.











































































