اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٨ أذار ٢٠٢٦
الأب الياس كرم
هل يقبل الله توبتنا؟ سؤالٌ يتردّد في أعماق كثيرين قرّروا، بوعيٍ وتصميم، أن يعبروا من دروب الخطيئة إلى رحاب التوبة. وقد قدّم لنا القدّيسون عبر العصور أمثلة حيّة لأناسٍ اجتازوا شوك السقوط، فبلغوا مراعي النعمة، فغدت سيرهم مناراتٍ نهتدي بها ونشتاق أن نحذو حذوها.في الأحد الخامس من الصوم الكبير، تضع الكنيسة الأرثوذكسيّة أمامنا سيرة القدّيسة مريم المصريّة كنموذجٍ سامٍ للتوبة والرجاء. فقد انتقلت من حياةٍ غارقة في الفجور إلى نسكٍ عميق في برّية قاحلة، في تحوّلٍ يكشف سعة رحمة الله التي لا يحدّها ذنب، وقوّة التوبة الصادقة القادرة على تبديل القلب، وقهر الشهوات، ونقل الإنسان من موت الروح إلى حياة القداسة.إن سيرة مريم المصريّة، التي بدأت في ظلمة الخطيئة وانتهت في نور القداسة، تعلن بوضوح أنّ التوبة الحقّة تمحو الماضي مهما اشتدّ سواده. فالله لا يكفّ عن انتظار عودة الإنسان، ولا توجد خطيئة تعجز محبّته عن غفرانها. فالخطيئة خصومة مع الله، والتوبة مصالحة؛ والخطيئة ابتعاد، والتوبة رجوع إلى حضرته. وكما قال الرب في إنجيل لوقا:يكون فرحٌ في السماء بخاطئٍ واحدٍ يتوب، أكثر من تسعةٍ وتسعين بارًا لا يحتاجون إلى توبة (لوقا ١٥: ٧).يكشف هذا القول عن شوق الله العميق إلى الإنسان، وعن فرح السمائيين بعودته إلى الشركة الإلهيّة. فالخاطئ العائد غالبًا ما يندفع بغيرةٍ لتعويض ما فاته، فيسبق أحيانًا من لم يسقطوا، بسبب فتور بعضهم وتراخيهم.غير أنّ التوبة ليست طريقًا سهلاً، بل مسيرة تتطلّب رجاءً ثابتًا، وصبرًا طويلًا، وجهادًا دائمًا ضد الأهواء. وقد عاشت مريم المصريّة سبعة وأربعين عامًا في الصحراء، فأظهرت لنا قيمة المثابرة والانتصار الداخلي. ومن عبوديّة الشهوة إلى حرّية الروح، قادتها نعمة الله لتبلغ عمق الزهد والتجرّد.هذا المثال الحيّ يدعونا إلى ألّا نخشى التوبة، بل أن نسعى إليها بإخلاص، واثقين بأن الله يقبل التوبة النصوح. كم نحن بحاجة، نحن أتباع الناصري، إلى توبةٍ صادقة تُحدث انقلابًا في الفكر والقلب والسلوك، فنرجع إلى الله بدافع المحبّة، لا بدافع الخوف فحسب.فالتوبة، كما تختبرها الكنيسة، ليست حدثًا عرضيًّا، بل مسيرة حياة. فيها انسحاق القلب بنعمة الروح القدس، وصدق الاعتراف، وتحوّل الأعمال. بها يستقيم الإيمان، ويتجدّد الرجاء، وتتعمّق المحبّة لله وللقريب. وهكذا يصبح الاعتراف الصادق بالخطايا بابًا نعبر منه من ظلمة السقوط والموت الروحي، إلى نور القيامة وفرح الحياة الجديدة.











































































