اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
عبد الرّحيم التوراني*
يُصادِف الثالث عشر من شهر حزيران/ يونيو 2025 إحدى عشرة سنة على رحيلِ واحدٍ من أهمّ المُفكّرين العرب في التاريخ المُعاصِر. أوّل عربيّ اختصَّ في عِلم المُستقبليّات واستشراف المُستقبل، أَسهم في تأسيس أوّل أكاديميّة دوليّة لعِلم المستقبليّات، وترأَّس بين 1977 - 1981 الاتّحاد العالَميّ للدراسات المستقبليّة، وفي العام 1981 انتُخب رئيساً للأكاديميّة العالَميّة للمُستقبليّات. إنّه عالِم الاجتماع والباحث المستقبليّ المغربيّ الرائد في العلاقات الدوليّة، الذي يَعرفه الغرب أكثر من أهله العرب، الدكتور المهدي المنجرة (1933 - 2014)، أحد أعمدة النّخبة الفكريّة في الوطن العربيّ.
لم تكُن أبحاثُ الدراسات المستقبليّة أو الاستشرافيّة لدى المهدي المنجرة مجالاً مُغلقاً على ذاته ومُنحصِراً، بقدر ما هي تخصُّص أكاديمي واسع الآفاق، بانفتاحِها وتفاعُلِها مع مختلف المجالات العلميّة والمَدارِك المعرفيّة الموجودة، وبانخراطِها في تربة الحاضر وتحوّلاته في توقّعاتٍ مُستنْبَتة من مسائل المستقبل.
تنبّؤات استشرافيّة
اقترنَ اسمُ المهدي المنجرة بتعدُّد اهتماماته الفكريّة، وبأطروحته حول جدليّة التنمية والثّقافة، ومُقترحاته لمَأْسَسَةِ الإصلاحات الملموسة في المُجتمع، تأسيساً على رؤىً ميدانيّة وعمليّة وفعّالة، وفْقَ تفكيرٍ استراتيجيّ مُستقبليّ وفهْمٍ عميق للدراسات المستقبليّة.
يُعَدّ المهدي المنجرة أنموذجاً للمثقّف العضويّ المُسلَّح بقوّة الإيمان والعقل والكرامة والمعرفة بشؤون المستقبل وقضايا الشعوب. عُرِف بشخصيّته القويّة المُثيرة للجدل، وبالتزامه وحضوره الدائم، وبكَونه صاحب مواقف نضاليّة جريئة وشُجاعة في مُواجَهة التحدّيات الكبرى التي تَستهدف بلدَهُ والمنطقةَ المغاربيّة والعربيّة، في إطارِ دفاعِه عن حقوق الإنسان، ومُناهضتِه للقمع والاستبداد والتبعيّة الاقتصاديّة، وبإعلائه رايةَ مُجابَهة الإمبرياليّة الكبرى وهيْمَنَتِها، من أجل ترسيخ مبادئ الديمقراطيّة ونَشْر السِّلم العالَميّ.
كان المهدي المنجرة من الأوائل الذين تنبَّأوا بما تَحمله طيّاتُ المستقبل، انطلاقاً من قراءته وتتبُّعه من مواقع شتّى ومتعدّدة، ومن دراسته للتطوُّر العالميّ. مراراً دقَّ المهدي المنجرة ناقوسَ الخطر وقامَ بالتنبيه إلى ضرورة تجنُّب تضييع الفُرص السانحة والمواعيد الحاسمة مع التاريخ، وللأسف فإنّ توقعّاته حصلتْ كما أَنبأ وأَنذر، منها تنبّؤه باندلاع حرب الخليج قَبل أيّ شخصٍ آخر، إذ وَصَفَها بأنّها «الحرب الحضاريّة الأولى». بهذا الصدد أَوضح المهدي المنجرة: «في العام 1991 طَلب منّي مُراسِلٌ من صحيفة «دير شبيغل» الألمانيّة إجراءَ مُقابلةٍ حول حرب العراق، فأخبرته أنّ هذه أوّل حرب حضاريّة عالَميّة في التاريخ. وضعتِ الصحيفةُ الألمانيّة هذه العبارة عنواناً بالبنط العريض، ومن هنا نَضجتِ الأطروحة». وحين وقعَ «هجوم 11 سبتمبر/ أيلول» على الولايات المتّحدة الأميركيّة، رأى المنجرة أنّه حَدَثٌ يُؤذِن بوصول «الحرب الحضاريّة الثانية». بمثلِ هذه التوقُّعات تقدَّم المفكّرُ الموسوعي المهدي المنجرة على المفكّرِ الأميركي صمويل هنتنغتون، هذا الأخير الذي يَعترف بتفوّق المنجرة عليه وريادَتِهِ، واستفادته منه في أطروحة «صراع الحضارات».
كما توقَّع المفكّر المستقبليّ المهدي المنجرة اندلاعَ انتفاضات «الربيع العربيّ»، وسقوط نظامَيْ الرئيس حسني مبارك في مصر، والعقيد معمّر القذّافي في ليبيا. وعندما أَثبت الزمنُ صدْقَ أطروحاته، وكَشفتِ الأحداثُ صحّةَ توقّعاته، عادَ الناس إلى ما أثاره المنجرة في أبحاثِه ومؤلَّفاتِه، ومنها الكتاب الذي يحمل عنوان: «الانتفاضة في زمن الذل قراطيّة»، الذي نُشر في العام 2006، أي خمس سنوات قَبل إقدام الشاب التونسي محمّد البوعزيزي على إضرام النار في جسده وتأجيج حرائقها في خرائط النظام العربيّ.
أمّا في مؤلَّفِهِ «الإهانة في عهد الميغا إمبرياليّة»، فقد تنبّأ المهدي المنجرة بالأزمات الاقتصاديّة والماليّة التي عصفت بالعالَم منذ العام 2008، عقب سقوط الاتّحاد السوفياتي والإعلان عن مرحلةٍ إمبرياليّةٍ جديدة تَمتطي صهواتِ مؤسّساتِ العَوْلَمة الكبرى المُتحكّمة في العالَم، وفي مقدّمتها صندوق النقد الدوليّ، ومجموعة الدول السبع الكبرى.
انهيار القيَم الإنسانيّة
في مؤلَّفه المُعنْوَن بـ «قيمة القيَم»، صَدَرَ في العام 2006 في ثلاثة أجزاء، يَقترح المهدي المنجرة نَهجاً تحليليّاً لمفهوم نظام القيَم. في الجزء الأوّل يُركّز على الدَّور الذي يُمكن أن تَلعبه القيَم الإنسانيّة في بناء المُجتمع، حيث يرى أنّه «ليس من المُبالَغة القول إنّ مستقبل البشريّة سيتحدَّد بمدى الاهتمام الحقيقيّ بالحياة البشريّة والاحترام المُتبادَل للقيَم. فهذان شرطان أساسيّان للبقاء بكرامة»؛ مُشيراً إلى الاهتمام المتزايد بالقيَم في الأوقات العصيبة التي نعيشها، «حيث أَصبحت اللّامبالاةُ بمُعاناة الآخرين أمراً شائعاً».
وفي الجزء الثاني يوضح العلاقةَ الجدليّة بين الإبداع والقيَم الإنسانيّة، إذ «لا تنمية من دون رؤية، من دون حريّة ومن دون إبداع»، علاوةً على ذلك، يُصِرّ المهدي المنجرة على فكرة أنّ «اختلاط الثقافات ليس أمراً سلبيّاً، شريطة أن تَتمّ إدارة هذه التبادُلات بحيث لا تَقع في التقليد الأعمى الذي من شأنه أن يُفرغَ الهويّةَ من مُحتواها».
أمّا الجزء الثالث والأخير من الكِتاب، فخصَّصه للذاكرة الجماعيّة كعنصرٍ خالقٍ للقيمة، مع تكريم العديد من شخصيّات الفنّ والفكر الذين أصبحوا من خلال أعمالهم وقناعاتهم العميقة وإبداعاتهم مَصادرَ إثراءٍ للتراث الثقافي المفهوم بمعناه الأوسع.
وفي مقابل الرضا عن الذّات الذي تتمتّع به «الدول المتقدّمة»، التي عَقدتِ العزمَ على مُواصَلةِ مُغامَرةِ الهيْمَنة، يُعارِض المهدي المنجرة هذا النَّهْجَ من الهيْمَنة في الوقت الذي تُركِّزُ فيه هذه الدول بشكلٍ أساسيّ على احترام التنوُّع الثقافي وإعادة تأهيل فضائل المُساواة والحريّة والإنسانيّة. وهي فضائل لا يَرى المهدي المنجرة من دونها أيَّ مَخرجٍ من المُشكلات التي يعيشها المُجتمع الحديث في العصر الحالي. في هذا الصدد، يُصرِّح المنجرة بأنّ السلام «يَتطلّب تواصُلاً ثقافيّاً أفضل، بعيداً عن الكذب والتمييز في العلاقات الدوليّة».
إنّ احترام قيَم «الآخر» يُضفي طابعاً نِسبيّاً على مفهوم «القيَم العالميّة» من دون الإصرار على «تكيُّفِها» المُفرط مع عالَميّةٍ اختزاليّةٍ لا قيمةَ لها على مستوى تاريخ البشريّة. وعلى الرّغم من التشاؤم الواضح في تحليله للوقائع، لا يَفقد المهدي المنجرة تفاؤلَهُ بشأنِ مُستقبلِ البشريّة، شريطةَ أن يُغيِّرَ نظامُ القيَم الحاليّ توجُّهَهُ على مستوى الفكر والفعل: «أؤمن بالعالَمي - ما هو نِتاج تقاطُع التنوّعات، والذي تقوم خوارزميّتُه على العدالة والإنصاف المطبّقَيْن دون تمييز على أساس العِرق أو الدّين أو الجنس أو الدخل». ويَستطرِد «أنا أؤمن بعالَميّة الجمال والحبّ كما نَختبرهما بشكلٍ فرديّ. أؤمن بعالَميّة الإبداع والابتكار في مَسارِهما الحرّ. أؤمن بعالميّة الروحانيّة التي من خلالها يَتجاوَز البشرُ أنفسَهم بحريّةٍ كاملة».
المهدي المنجرة الفلسطينيّ
بخصوص القضيّة الفلسطينيّة، كان المهدي المنجرة مُناهضاً شرساً للصهيونيّة ورافضاً للتطبيع، وقد اعتَبر نفسه «فلسطينيّاً مُحتَلّاً».
كَتَبَ مرّة: «باعتباري مَغربيّاً وعربيّاً ومُسلماً وإفريقيّاً، بل باعتباري فقط كائناً إنسانيّاً، أعتبرني مُحتلّاً ما دامت فلسطين مُحتلَّة، وما دام الفلسطينيّون لم يَسترجعوا كرامتَهم». وقد رافقتْهُ منذ الصغر القضيّةُ الفلسطينيّة ولازمتْهُ والتزمَ بالدّفاع عنها منذ النكبة في العام 1948 وعُمره لم يَتجاوز حينها 15 سنة، صادفَ وصوله إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة، قيام الحرب العربيّة الصهيونيّة، ثمّ الإعلان عن تأسيس الكيان الصهيونيّ.
ومنذ تلك الأعوام، ظلّ المهدي المنجرة يَستشرف السّعيَ الحثيث للكيان الصهيونيّ لفرْضِ هَيْمَنَتِهِ داخل المنطقة، من خلال عمليّات التطبيع، ويُعارِض أيّ مُساوَمة على القضيّة الفلسطينيّة، مؤكِّداً أنّ تحرير فلسطين من أيدي الصهاينة أمرٌ واجب. ففي إحدى مقالاته أكّد المنجرة أنّ «قضيّة فلسطين ليست سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة فقط، وإنّما هي أيضاً قضيّة حضاريّة في الدرجة الأولى، تَدخل في إطار فرْضِ قيَمٍ مُغايرة على المنطقة». لذلك ذهبَ الباحثُ الأكاديميّ المغربيّ د. طارق ليساوي إلى القول إنّ «المهدي المنجرة أفضل من دافَعَ عن القضيّة الفلسطينيّة».
قَبل أكثر من نصفِ قَرن، كَتَبَ المهدي المنجرة: «إنّ الذين يظنّون أنّ الطريقة الدبلوماسيّة على شاكلة «كامب ديفيد» ستُفضي إلى جلاء المُغتصِب واهمون، فـ «إسرائيل» تُثير الرّعب والقمْع داخل صفوف الفلسطينيّين، وخصوصاً داخل القدس. والمُتتبِّع لبرامج العدوّ الصهيونيّ وخُططه يُدرِك أنّ «إسرائيل» يتملّكها الفَزَع من المستقبل.. ولا تَطمئنُّ على حال إلّا من خلال المُساندة الغربيّة لعمليّاتها، والنّصرة الأميركيّة على وجه التحديد لحركاتها، واستجماع أكبر قوّة في المنطقة».
المُحاصَر والمغضوب عليه
عُرِف المهدي المنجرة إلى جانب نبوغه وتفكيره الاستراتيجيّ ورؤيته الشموليّة، بتمتّعه بالتواضُع الذي يُعَدّ من فضيلة العظماء وشيَمِهم، وبنُبله واحترامه للآخر، إذ لم يكُن يتردّد في أن يَخرج على الناس ويخاطبهم مباشرة في المُنتديات الشعبيّة والفضاءات العامّة ومدرّجات الجامعات، ليطرحَ أفكارَه ويناقشها مع الجمهور، وبالأخصّ منهم فئات الشباب والطلّاب، ما جَعله يُعاني لسنواتٍ من المَنْعِ والحصار السلطوي، بسبب رفضه السكوت عن الظلم، ومساندته للمقهورين.
من هنا يَجب ألّا ننسى مدى حرْص المفكّر الراحل على صوْنِ القيَم الفكريّة والثقافيّة المحليّة، ومُعارضته الشرسة للسياسات الغربيّة في أقطار الوطن العربي.. وبكونه من أشدّ المُدافعين عن اللّغة العربية، كان «مُحطِّماً للحدود بين النضال الأكاديميّ والنضال السياسيّ بمعناه النبيل»، وفْق تعبير الباحث المغربي في العلوم السياسيّة سليمان بونعمان.
ومن هنا أيضاً وأيضاً يَجيء سرّ التقدير الكبير والاهتمام المستمرّ للمؤسّسات الأكاديميّة والأوساط الثقافيّة والفكريّة والسياسيّة في الغرب بقيمة المشروع الفكري للراحل المهدي المنجرة، باعتباره من أبرز المَراجِع العربيّة والدوليّة في القضايا السياسيّة والعلاقات الدوليّة والدراسات المستقبليّة.
لذلك ارتفعتْ أصواتٌ مَغربيّة وعربيّة لتُثيرَ الانتباه إلى أنّه حانَ الوقت كي يُعاد الاعتبار إلى هذا المفكّر الفذّ، ولو بَعد رحيله، كي يَحظى بكامل الاعتراف والتكريم اللّائقَيْن به في الساحة الثقافيّة والعلميّة والأكاديميّة في بلداننا العربيّة، «ليظلّ رمزاً حيّاً وقدوةً مُلهِمةً للأجيال الشابّة وشعلةً من المبدئيّة والطهرانيّة».
* كاتب وإعلامي مغربي
(يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ)











































































