اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٠ أذار ٢٠٢٦
كتب محمد خواجوئي في الأخبار
في الوقت الذي تدخل فيه الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضدّ إيران أسبوعها الرابع غداً، تزداد معادلاتها تعقيداً يوماً بعد يوم، كما تتّسع تداعياتها وتتزايد مخاطرها على المستويَين الإقليمي والدولي. فمع فتح إسرائيل ما يمكن تسميته «حرب البنى التحتية» عبر استهداف منشآت الغاز الإيرانية، أول من أمس، وهو الهجوم الذي أفادت وسائل إعلام غربية وإسرائيلية بأنه جرى «بالتنسيق» مع الولايات المتحدة، انطلقت مرحلة جديدة من التصعيد، سرعان ما انخرطت فيها إيران بقصف منشآت نفطية في الخليج، وفي حيفا. وفي الوقت نفسه، أظهرت طهران قدرة لافتة لديها في الدفاع الجوي، وذلك عبر إسقاط طائرة أميركية من طراز «إف 35» كانت تحلّق فوق أجوائها، في تطوّر يمكن أن يحدّ من حرية حركة الطيران الأميركي والإسرائيلي في سماء الجمهورية الإسلامية. واعترفت «القيادة المركزية الأميركية»، في بيان، بأن طائرة «إف 35» قامت بهبوط اضطراري في إحدى القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، بعد إصابتها بنيران إيرانية، مشيرة إلى أن الطيار «في حالة مستقرة»، مضيفة أن الحادث قيد التحقيق.
وتنبئ كلّ تلك التطورات بأن مسار الحرب لا يمضي على النحو الذي كانت تتوقّعه إسرائيل والولايات المتحدة، الأمر الذي دفعهما إلى اللجوء إلى خطوات عالية المخاطر وعميقة التداعيات من مثل استهداف البنى التحتية. وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، لم تؤدِّ عمليات الاغتيال التي استهدفت المرشد الإیراني الراحل، آية الله علي خامنئي، وعدداً من القادة العسكريين والمسؤولين الإيرانيين الكبار، إلى انهيار النظام أو تغيير نهجه. كما أن الهجمات التي طاولت منشآت ومقرات عسكرية لم تنجح في وقف الضربات الإيرانية ضدّ إسرائيل وأهداف في الخليج. وكذلك، لم تسفر الإجراءات الأمنية، بما فيها استهداف قوات الشرطة ونقاط التفتيش، عن إفراغ الشوارع من القاعدة الشعبية المؤيّدة للنظام أو عن تهيئة الظروف لاندلاع اضطرابات داخلية ضدّه.
وفي النتيجة، لم تتمكّن الولايات المتحدة وإسرائيل حتى الآن من تحقيق ما يمكن وصفه بـ«إنجاز استراتيجي» في الحرب؛ بل إن تحوّل هذه الأخيرة إلى حرب استنزاف أسهم في خلق معادلات جديدة، من بين أبرزها بروز سيطرة إيران على مضيق هرمز كإحدى أهمّ أدوات الضغط في هذه المواجهة. ومع استمرار القتال، تتزايد احتمالات أن يخلّف العامل المذكور تداعيات اقتصادية جسيمة على المنطقة والعالم. وبحسب تقرير «المنظمة البحرية الدولية»، لا يزال نحو 20 ألف بحّار عالقين على متن ما يقارب 3200 سفينة في الجهة الغربية لمضيق هرمز، وذلك نتيجة الإغلاق الفعلي لهذا الممر البحري الحيوي، والناجم عن الإجراءات التي اتخذتها إيران.
إذا كان الهدف إغراق إيران، فإنها ستسحب الجميع معها إلى القاع
وفي ظلّ هذا الواقع، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل، خلال الأيام الأخيرة، مرحلة جديدة من الإجراءات العالية المخاطر، سعياً منهما لفرض «كلفة كبرى» على إيران، تمهّد لإنهاء حالة «الاستنزاف»؛ إذ إن وقف الحرب في الظروف الحالية يمكن أن يُفسَّر كهزيمة لواشنطن وتل أبيب. وإضافة إلى الاغتيالات التي طاولت شخصيات مؤثّرة في إيران، من مثل علي لاريجاني، والتي نُفّذت بهدف تعطيل منظومة صنع القرار الإيرانية، جاء الهجوم الذي وقع، أول من أمس، على منشآت غاز في حقل «فارس الجنوبي» في منطقة عسلوية جنوبي البلاد بهدف إحداث صدمة كبيرة لدى القيادة الإيرانية. إلا أن إيران حوّلت، على ما يبدو، التهديد إلى فرصة، حين قامت باستهداف منشآت الغاز القطرية في منطقة رأس لفان، لترسي بذلك معادلة جديدة في «حرب البنى التحتية»، تماماً كما كانت قد ثبّتت معادلة أخرى في مجال الممرات المائية من خلال فرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز.
وحمل الهجوم الإيراني رسالة واضحة مفادها أنه إذا كان الهدف هو إغراق إيران، فإن طهران بدورها ستسحب الجميع معها إلى القاع، وأن دخول مرحلة «حرب البنى التحتية» لن يعني تدمير البنية التحتية الحيوية في إيران وحدها، بل سيؤدي إلى تدمير نظيراتها في دول المنطقة كافة. وهذا السيناريو يمكن أن يتحوّل إلى كابوس حقيقي لدول الخليج، التي يشكّل قطاع الطاقة القلب النابض لاقتصاداتها. فالنفط والغاز والصناعات البتروكيماوية هي العوامل التي جعلت تلك الدول، خلال العقود الماضية، من أكثر البلدان نمواً وثراءً في المنطقة.
وفي إطار استكمال الردّ على استهداف حقل «فارس» المشترك بين إيران وقطر تحديداً، الذي يُعدّ أحد أكبر حقول الغاز في العالم، ويتوفر على أهمية حيوية لاقتصاد البلدَين، قصفت طهران مصافي النفط في حيفا، وهو ما أدّى إلى اشتعال النيران فيها وانقطاع الكهرباء عن أجزاء من المدينة. ونشرت «هيئة البث الإسرائيلية» صوراً أظهرت تصاعد عمود كثيف من الدخان من محيط إحدى المصافي، مشيرة، على منصة «إكس»، إلى «عدم وجود مخاوف من تسرّب مواد خطرة»، وذلك قبل إعلانها أنها تلقّت إشعاراً من الرقابة بعدم نشر أيّ مواد موثِّقة للقصف. وكتب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، من جهته، على «إكس»، أن «ردّنا على هجمات إسرائيل على بنيتنا التحتية كان مجرد جزء من قوتنا. والسبب الوحيد لضبط النفس هذا كان احتراماً لطلبات خفض التصعيد» وأضاف: «إذا تكرّر الهجوم على بنيتنا التحتية، فلن يكون هناك أيّ ضبط للنفس بعد ذلك».
وفي المقابل، يرى كثير من المراقبين أن الموقف الذي أعلنه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بعد الضربة الإيرانية الانتقامية التي استهدفت منشآت الغاز القطرية، يعكس المخاوف نفسها التي تشعر بها دول الخليج. ومع ذلك، وفي ظلّ المأزق الحالي، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تواصلان خلال الأيام المقبلة اتخاذ خطوات عالية المخاطر بهدف تغيير معادلة الحرب. فاستمرار عمليات الاغتيال التي تطاول مسؤولين إيرانيين كباراً من جهة، وتصعيد الهجمات على السواحل الإيرانية، وربما حتى السيطرة على الساحل وبعض الجزر الإيرانية في الخليج من جهة أخرى، كلها تُعدّ من السيناريوات المحتملة، على الرغم من وجود شكوك جدية في جدولها، وتوقّعات بجعلها مشهد الحرب أكثر تعقيداً واتساعاً مما هو عليه الآن. وفي هذا الإطار، كتب وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، أمس، في مقال في مجلة «إيكونوميست»، أنه «لا يوجد سيناريو محتمل تحقّق فيه كلّ من إسرائيل وأميركا ما تريدانه من الحرب»، مضیفاً أن أكبر خطأ ارتكبته الإدارة الأميركية كان «السماح لنفسها بالانجرار إلى هذه الحرب من الأساس»، أن «هذه ليست حرب أميركا».
إلى ذلك، وفي تطوّر لافت يعكس عمق مأزق واشنطن، أعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسينت، أن الولايات المتحدة قد ترفع قريباً عقوبات عن كمية من النفط الإيراني لمدّة محدودة، في إجراء يستهدف تعزيز العرض في الأسواق.











































































