اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦
كتب غسان ريفي في سفير الشمال
دخل رئيس الحكومة نواف سلام إلى وزارة الخارجية الأميركية حاملاً سلّة من الالتزامات اللبنانية، وخرج منها بصورة مصافحة مع وزير الخارجية ماركو روبيو، فيما بقي السؤال الأساسي معلّقاً: ماذا أخذ لبنان من واشنطن في المقابل؟
سلام تحدث عن تفعيل الإطار الثلاثي، وعن التبادلية والمرحلية، وجدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، وآلية للتحقق، وبسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، ودعم الجيش وإعادة الإعمار وتأمين عودة الأهالي.
كلام مكرر ومطالب باتت مزمنة، مقابل رد من الجانب الأميركي لم يتجاوز العبارات التقليدية عن دعم لبنان ومؤسساته وجيشه، والتأكيد على استكمال الإطار الثلاثي.
أما إسرائيل، التي يفترض أن تكون الطرف الآخر في هذا الإطار، فلم يظهر في اللقاء ما يشير إلى التزام أميركي واضح بإجبارها على الانسحاب أو وقف اعتداءاتها، الأمر الذي يُسقط كل عبارات التبادلية أمام أسئلة مشروعة بسيطة هي: أين الجزء الإسرائيلي من هذه المعادلة؟، وكيف يُطلب من لبنان أن يبسط سلطة الدولة على كامل أراضيه، فيما الاحتلال الإسرائيلي قائم؟، وكيف يُطلب منه تأمين عودة الأهالي وإعادة الإعمار، فيما القرى والبلدات الجنوبية لا تزال تحت نيران الاعتداءات الإسرائيلية؟ وكيف يصبح سلاح المقاومة أولوية أميركية متقدمة، فيما لا تبدو هناك أي أولوية موازية لإلزام إسرائيل بوقف عدوانها والانسحاب من الأراضي اللبنانية؟
الأخطر أن رئيس الحكومة، كما ظهر من مضمون اللقاء، لم يجعل العدوان الإسرائيلي في صلب الاجتماع مع روبيو، ولم يحوّل ما يتعرض له الجنوب من قتل وتدمير وتهجير وتوسيع احتلال وتجريف قرى بكاملها إلى عنوان ضاغط على الإدارة الأميركية. بل بدا كلامه وكأنه يكرر المطلوب منه، فيما المطلوب من الطرف الآخر ما يزال في علم الغيب.
أما روبيو، فلم يقدم جديداً، بل أعاد تشغيل أسطوانة الدعم الأميركي نفسها والتي سمعها اللبنانيون من دون أن يروا ترجمتها على الأرض، وإذا كانت واشنطن لا تستطيع أو لا تريد أن تضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، فكيف يمكن أن يتحول الإطار إلى اتفاق قابل للتنفيذ؟.
والمفارقة الأكبر هي أن رئيس الجمهورية جوزاف عون سبق أن جلس في البيت الأبيض مع الرئيس دونالد ترامب، وطرح معه الملفات نفسها، وفي مقدمها الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، ولم يظهر بعد ذلك ما يثبت أن إسرائيل تلقت من واشنطن مهلة ملزمة أو قراراً واضحاً بالانسحاب.
فإذا كان ترامب لم يقدم للبنان ما ينتظره في هذا الملف، فماذا يستطيع روبيو أن يقدم، وهو وزير الخارجية المعروف بدعمه الكامل لتوجهات بنيامين نتنياهو؟
يمكن القول إن الأزمة ليست في اللقاء، بل في ما بعد اللقاء، فالمفاوضات متوقفة إلى ما بعد إجراء انتخابات الكنيست، والتصعيد الإسرائيلي مستمر، والوقائع الميدانية تتبدل لمصلحة الاحتلال، فيما لبنان يُطلب منه المزيد من الالتزامات، وكأن المطلوب منه أن يحقق وحده ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه مع كل الدعم الدولي المواكب لها.
وهذا يعني بما لا يقبل الشك أن لبنان سيبقى أمام فترة جديدة من الانتظار، فيما تبقى إسرائيل حرة في استثمار الوقت ميدانيا وسياسيا، وفي تحويل دماء اللبنانيين وركام منازلهم إلى أصوات في صناديق الاقتراع.
لهذا، فإن لقاء سلام وروبيو يبدو حتى الآن لقاء صورة أكثر منه لقاء قرار.. مصافحة وابتسامات أمام الكاميرات، مقابل غياب أي خطوة عملية واضحة تترجم المطالب اللبنانية.
وبحسب مصادر سياسية مواكبة فإن “لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الصور من واشنطن، ولا إلى بيانات تؤكد دعمه، بل ما يحتاجه هو أن تستخدم الولايات المتحدة نفوذها على إسرائيل، لا أن تستخدمه فقط للحصول على مزيد من الالتزامات اللبنانية، أما أن يقدم لبنان ما عليه، وتبقى إسرائيل بمنأى عن الضغط، فهذه ليست تبادلية، بل معادلة مختلة يدفع لبنان ثمنها سياسياً وميدانياً”.
وفي انتظار أن تتغير هذه المعادلة، سيعود سلام من واشنطن إلى لبنان خالي الوفاض إلا من صورة جديدة مع روبيو، لكن الصورة لا توقف غارة، ولا تحمي جنوبياً ولا تزيل احتلالاً، ولا تعيد نازحاً إلى منزله أو إلى قريته.











































































