اخبار لبنان
موقع كل يوم -جنوبية
نشر بتاريخ: ٢٠ أب ٢٠٢٦
في توقيت بالغ الحساسية، وصل رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد، بعد أيام من استهداف مقر رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني بطائرتين مسيّرتين، في حادثة أعادت التوتر الأمني بين طهران وأربيل إلى الواجهة.
لكن الزيارة، التي تمتد لثلاثة أيام، تبدو أبعد من إطارها البرلماني المعلن. فهي تأتي في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية ضغوطاً متزايدة، ولا سيما من واشنطن، لاتخاذ خطوات أكثر جدية في ملف حصر السلاح بيد الدولة وضبط نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.
أربيل تعقّد حسابات بغداد
استهداف مقر بارزاني وضع بغداد أمام معادلة حساسة. فالعراق مطالب باحتواء تداعيات الحادثة وطمأنة إقليم كردستان، في وقت تنفي فيه طهران مسؤوليتها المباشرة عن الهجوم.
وفي المقابل، لا تريد إيران أن تتحول الحادثة إلى أزمة سياسية جديدة بينها وبين بغداد وأربيل، أو أن تمنح واشنطن فرصة إضافية لتشديد الضغط على الحكومة العراقية، خصوصاً في ملف الفصائل والسلاح خارج المؤسسات الرسمية.
ومن هنا، تبدو زيارة قاليباف محاولة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي والأمني، واحتواء تداعيات ما جرى قبل أن يتحول إلى أزمة أوسع.
الاتفاق الأمني يعود إلى الواجهة
ويبرز الاتفاق الأمني بين بغداد وطهران كأحد الملفات الأساسية في الزيارة، خصوصاً في ما يتعلق بالحدود المشتركة ونشاط الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة الموجودة في شمال العراق.
وتسعى طهران، من خلال إعادة التذكير بهذا الاتفاق، إلى تحميل بغداد مسؤولية أكبر في ضبط الحدود ومنع استخدام الأراضي العراقية لأي نشاط تعتبره تهديداً لأمنها.
لكن هذه المعادلة تضع الحكومة العراقية أمام تحدٍّ إضافي، إذ إن تشديد الإجراءات في هذا الملف قد يفتح الباب أمام حساسيات جديدة مع إقليم كردستان، فيما قد يؤدي عدم الاستجابة للمطالب الإيرانية إلى زيادة الضغط من طهران.
الملف الأكثر حساسية: سلاح الفصائل
غير أن الملف الأهم في زيارة قاليباف يبقى مستقبل الفصائل المسلحة. فإيران تجد نفسها أمام واقع جديد في العراق، مع تصاعد الدعوات والضغوط لحصر القرار العسكري بيد الدولة.
ولا تبدو طهران راغبة في مواجهة مباشرة مع بغداد بشأن هذا الملف، لكنها في الوقت نفسه لا تريد خسارة شبكة النفوذ التي بنتها على مدى سنوات عبر قوى وفصائل ترتبط بها بدرجات متفاوتة.
وهنا تكمن مناورة قاليباف: الحفاظ على النفوذ الإيراني داخل العراق، من دون دفع الفصائل إلى تصعيد قد يضع بغداد في مواجهة مفتوحة مع واشنطن.
فأي تحرك عسكري كبير ضد المصالح الأميركية قد يؤدي إلى تشديد الضغوط على الحكومة العراقية، وربما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في ملف السلاح، وهو ما قد ينقلب في النهاية على النفوذ الإيراني نفسه.
بغداد بين واشنطن وطهران
تأتي الزيارة أيضاً فيما يتحول العراق مجدداً إلى ساحة لتبادل الرسائل غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
فواشنطن تضغط باتجاه تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية، بينما تسعى طهران إلى الحفاظ على نفوذها السياسي والأمني، ومنع تحوّل العراق إلى منصة ضغط جديدة ضدها.
وبين الطرفين، تحاول بغداد تجنب الأسوأ: عدم خسارة علاقتها بطهران، من دون الاصطدام بواشنطن، ومنع الفصائل من جرّ البلاد إلى مواجهة إقليمية جديدة.
اختبار جديد للدولة العراقية
لذلك، فإن زيارة قاليباف لا يمكن فصلها عن استهداف أربيل، ولا عن النقاش المتصاعد حول سلاح الفصائل، ولا عن الضغوط الأميركية المتزايدة.
ويمكن القول إن إيران تحاول في هذه المرحلة إعادة ترتيب أوراقها داخل العراق: تهدئة التوتر مع أربيل، تثبيت الاتفاق الأمني مع بغداد، وحماية نفوذها داخل منظومة الفصائل، لكن من دون إشعال مواجهة مباشرة قد تجعل من ملف حصر السلاح بيد الدولة أمراً أكثر إلحاحاً وضغطاً على الحكومة العراقية.
وفي المحصلة، تقف بغداد أمام اختبار جديد: هل تستطيع تحويل الضغط الخارجي والتجاذب الإيراني–الأميركي إلى فرصة لتعزيز سلطة الدولة، أم ستبقى ساحةً لإدارة التوازنات بين القوى المتصارعة؟











































































