اخبار لبنان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣ أذار ٢٠٢٦
الإطار التنظيمي في حاجة إلى توحيد واضح لتصنيف المؤسسات وتحديد نوع الرقابة الواجب تطبيقها
في السنوات الأخيرة أعادت أكثر من حادثة مرتبطة بإعداد موازنات مؤسسات عامة تسليط الضوء على مسألة دقة الأرقام وشفافية التقديرات. فكلما طرحت ملاحظات حول آلية احتساب الإيرادات أو النفقات، برز سؤال أوسع يتعلق بمنظومة إعداد الموازنات في الإدارات العامة اللبنانية ككل، إذ لا يمكن فصل شفافية إعداد موازنات المؤسسات العامة عن شفافية الموازنة العامة للبلد. فالموازنة ليست مجرد إجراء إداري دوري، بل هي حجر الأساس في ضبط الإنفاق العام، وأي خلل في إعدادها أو تدقيقها ينعكس مباشرة على كفاءة إدارة المال العام وعلى قدرة الدولة في الحد من الهدر.
لم يكن رفض وزارة المالية مشروع موازنة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لعام 2025 تفصيلاً إدارياً عابراً. فالقرار اتخذ 'نتيجة مخالفات لأساسات وضع الموازنة'. وعلى رغم خصوصية وضع صندوق الضمان الاجتماعي لاعتبارات عدة أولها الخلل الإداري الواقع فيه منذ سنوات، والخلل المالي الذي أحدثه انهيار سعر الصرف، غير أن قضية رفض موازنته يسلط الضوء على إشكالية بنيوية ويعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر وهو كيف تعد المؤسسات العامة موازناتها فعلياً؟ وكيف تتم مراقبتها؟
لا تتعلق قضية الضمان الاجتماعي بمؤسسة واحدة، بل تكشف عن اختبار حقيقي لمنظومة إعداد الموازنات في لبنان، وما إن كانت الأرقام تبنى على بيانات موثوقة وخطط واضحة، أم على تقديرات غير دقيقة.
عندما تطلب وزارة المالية إعادة بناء مشروع موازنة وضم المستندات المؤيدة لاحتساب الإيرادات والنفقات، فهي عملياً تشكك في منهجية إعداد الأرقام، وهو ما حصل فعلياً مع موازنة الضمان الإجتماعي التي رفضتها وزارة المال. وبصرف النظر عن دقة موازنة الضمان أو عدم دقتها لجهة تقدير الإيرادات والنفقات لا بد من العودة إلى أصل الأزمة، وهي طريقة إعداد الموازنات في المؤسسات العامة التي تتمتع باستقلالية مالية.
نظرياً يعتقد كثر أن موازنات المؤسسات العامة في لبنان مشمولة بالموازنة العامة للبلد وتشكل معها سلسلة مترابطة من التخطيط والتدقيق والمراجعة، لكن عملياً ثمة فجوات تتعلق بضعف التخطيط، غياب البيانات الموثقة، وتأخر التقارير الرقابية وانفصال الموازنات وتعدد الأنظمة المحاسبية وغيرها من العوائق والعقبات التي تحول دون شفافية العلاقة المالية بين المؤسسات العامة والدولة.
تشير الخبيرة الاقتصادية في معهد باسل فليحان سابين حاتم إلى أن المؤسسات العامة تواجه عديداً من الصعوبات في إعداد موازناتها، حيث عديد منها لا يوفر معلومات واضحة ودقيقة عن موازناته، والمؤشرات المتوفرة غالباً تقتصر على المؤسسات المنتجة مالياً مثل الضمان والكهرباء. وأي خلل داخلي، مثل الهدر أو الفساد، يمكن أن يؤثر مباشرة في الموازنة العامة، بينما تواجه المؤسسات مثل الضمان الاجتماعي تحديات تحليلية بسبب العلاقة المعقدة بين الدولة والمؤسسة، إذ تعد الدولة طرفاً ومالكاً وممولاً في الوقت نفسه.
وقبل البحث في الشوائب التي ترافق إعداد موازنات المؤسسات العامة في لبنان لا بد من الإشارة إلى أن المؤسسات العامة تصنف نوعين، استثمارية وغير استثمارية. والمؤسسات الاستثمارية هي التي تولد أرباحاً، مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومؤسسة الكهرباء، ومصالح المياه وأوجيرو، بينما المؤسسات غير الاستثمارية فلا تبيع الخدمات مباشرة ولا تحقق أرباحاً، ويغطيها التمويل الحكومي بالكامل.
وكل مؤسسة، بحسب نظامها الداخلي، تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلالية، ومن المفترض أن تقوم بإعداد موازنتها ورفعها للوزير المختص أي وزير الوصاية، وفي حالة الضمان الاجتماعي على سبيل المثال ترفع الموازنة إلى وزارة العمل كوزارة وصاية، مع الأخذ في الاعتبار ما إذا كانت تحقق أرباحاً أو تحتاج إلى دعم الدولة. وتوضح حاتم هنا أن في المؤسسات الاستثمارية، إذا كانت المؤسسة تحقق أرباحاً، يكون تدخل الوزير في موازناتها محدوداً، أما في حال العجز، فتتدخل الدولة لتغطية العجز.
هنا تحديداً تتركز أزمة الانتظام المالي في المؤسسات العامة. ويستحضر الخبير المالي إسكندر البستاني تاريخ إنشاء المؤسسات العامة الذي يشكل إحدى ثغرات انتظامها اليوم، ويقول 'تاريخياً، أنشئت هذه المؤسسات لتضطلع بأنشطة تجارية أو استثمارية، مما برر منحها قدراً من الاستقلال المالي والإداري، إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت إشكاليات تتعلق بالشفافية، إذ إن هذه المؤسسات لا تنشر موازناتها على نحو مماثل لموازنة الدولة، مما يحد من إمكان الاطلاع العام عليها ومراقبتها'. فهي ترفع موازناتها إلى مديرية المحاسبة العامة في وزارة المالية، لكنها تبقى خارج إطار الدمج في الموازنة العامة.
ويتطرق البستاني إلى مشكلة إضافية تتمثل في غياب أنظمة موحدة تنظم عمل هذه المؤسسات. فالهياكل التنظيمية تختلف من مؤسسة إلى أخرى، والأطر المحاسبية وأنظمة المحاسبة المعتمدة لديها غير موحدة، بل تختلف أيضاً عن الأنظمة المعتمدة في الإدارات العامة التابعة لوزارة المالية. هذا التباين يعيق المقارنة، ويضعف الرقابة المالية الشاملة.
أما الإشكالية الأكبر بحسب ما يرى البستاني، فترتبط بالأخطار المالية المحتملة، إذ إن موازنات هذه المؤسسات غير مدمجة في الموازنة العامة، وأي عجز قد تتعرض له يترتب في نهاية المطاف على وزارة المالية تغطيته، مما يحمل الخزينة أعباءً إضافية غير محسوبة مسبقاً ضمن تقديراتها.
كذلك، فإن موازنات هذه المؤسسات لا تعرض على مجلس النواب لإقرارها، بل تكتفي بتوقيع سلطة الوصاية، مما يعني أن إنفاقها لا يخضع لموافقة تشريعية مباشرة، بالتالي قد ينشأ عبء مالي على الدولة من دون موافقة مسبقة من مجلس النواب ومن دون أن يقر البرلمان تلك النفقات. وفي حال تحقق العجز، يترتب على وزارة المالية التزامات مالية إضافية تنعكس سلباً على وضع المالية العامة. وهي الإشكالية نفسها التي سبق أن أشارت إليها الخبيرة من المعهد المالي.
وبغض النظر عن مساهمة وزارة المالية في مالية المؤسسة العامة أو عدمها، فإن هذه المؤسسات تتعامل بالمال العام، وأي هدر أو فساد فيها ينعكس حكماً على المالية العامة وعلى الاستقرار المالي للدولة.
إن إعداد موازنة سليمة من حيث المبدأ يفترض وجود خطة واضحة تترجم مالياً. فالموازنة ليست مجرد جداول أرقام، بل انعكاس لأهداف واستراتيجيات، لكن السؤال الجوهري هل تبني المؤسسات العامة موازناتها انطلاقاً من خطط عمل فعلية وبيانات دقيقة، أم تعد الأرقام استناداً إلى تقديرات تراكمية أو أرقام السنوات السابقة؟
ترى حاتم أن أي انحراف عن الأسس أو غياب للمستندات المؤيدة لتقدير الإيرادات والنفقات، لا يعد خللاً تقنياً فحسب، بل مساساً بسلسلة كاملة من الإجراءات التي يفترض أن تبنى على قواعد دقيقة في التخطيط والتوثيق والالتزام بالسقوف المحددة. وهنا نتحدث عن مطلق موازنة. فالمعيار الأساسي هو امتلاك قدرات جيدة في التخطيط.
وتؤكد حاتم أنه لا يمكن إعداد موازنة صحيحة من دون وجود خطة واضحة، تعتمد على بيانات موثوقة يمكن البناء عليها. ويجب أن يكون التخطيط مرتبطاً بأهداف واستراتيجية المؤسسة أو خطة عملها، لأن الموازنة تمثل الترجمة المالية لهذه الأهداف والخطط. لذلك فإن وجود قدرات قوية في التخطيط يعد من الأساسات.
لكن ما يحصل فعلياً على أرض الواقع مختلف تماماً، فموازنات المؤسسات العامة توضع بآليات مختلفة فيما بينها وبصورة غير واضحة لدى بعضها، وتختصر حاتم توصيف الوضع المالي للمؤسسات العامة بـ'الوضع المعقد'.
إذاً، الأزمة 'أزمة تخطيط' وفق مصدر في وزارة المال سواءً على صعيد الدولة أو على صعيد المؤسسات العامة. وهنا يضع المصدر إصبعه على الجرح، ويقول 'مشكلة تخصيص الاعتمادات في الموازنة العامة تكمن في أن وزارة المالية تضع سقفاً لإنفاق كل إدارة عامة أو مؤسسة عامة وعلى الإدارة أو المؤسسة أن تلتزم بهذا السقف، وأن توزع ما خصص لها على أوجه إنفاقها'. وقد لاحظنا كثيراً من الإدارات والمؤسسات تشكو من هذا الإجراء عند مناقشة ما لحظ لها من اعتمادات وتتقدم بطلبات إضافية إلى لجنة المال والموازنة التي تحاول أن تلبي بعض الطلبات من أصل بند احتياطي الموازنة الذي غالباً ما تضخمه الحكومة لإنفاقه لاحقاً على هواها.
والسبب في كل ذلك يعود، بحسب المصدر المالي، إلى قلة الموارد المالية. ففي الأصل وقانونياً تختلف موازنة الدولة عن موازنة المؤسسات والأفراد. فالفرد يحدد موارده، ومن ثم يوزعها على نفقاته، أما الدولة فالأولوية لديها للإنفاق، حيث تحدد نفقاتها أولاً ومن ثم تفتش عن موارد لتلبيتها حتى ولو اضطرت إلى الاستدانة.
وقد عملت الدولة بهذه الطريقة منذ إنشائها إلا أنها أخيراً وعندما لم يعد بإمكانها الاستدانة منذ شهر مارس (آذار) 2020 لجأت إلى تصفير العجز في الموازنة عن طريق تحديد السقوف المالية للإدارات والمؤسسات.
أما لجهة الرقابة على المؤسسات العامة، فالأزمة والتعقيدات لا تقل خطورة عن موازناتها. وتوضح حاتم أن المؤسسات الاستثمارية وغير الاستثمارية تخضع لأنواع متفاوتة من الرقابة، فبعضها ملزم بإرسال تقارير مالية دقيقة إلى وزارة المالية، وبعضها الآخر لا يرسل أي تقارير على الإطلاق. ولا توجد قاعدة واحدة موحدة تنطبق على جميع المؤسسات، مما يجعل الإطار التنظيمي الحالي ناقصاً ومعقداً، إضافة إلى أن الدراسات المتوفرة حول هذا الموضوع محدودة، ما يترك فجوة واضحة في الشفافية والمساءلة.
باختصار، تعيش كل مؤسسة في 'جزيرة' خاصة بها، مرتبطة بالوزارة المختصة والدولة بصورة مختلفة، ويظهر الواقع أن الإطار التنظيمي بحاجة إلى توحيد واضح لتصنيف المؤسسات وتحديد نوع الرقابة الواجب تطبيقها، فضلاً عن أن نشر الدراسات والتقارير المالية بصورة علنية من شأنه أن يعزز الشفافية والمساءلة ويحد من الهدر المالي.
وفي ما يتعلق بالرقابة على النفقات، تشرح حاتم أن الإدارات العامة والمؤسسات العامة، تخضع أولاً لنوع من الرقابة الإدارية من الوزارة الوصية، وهي ليست رقابة مالية مباشرة. أما الرقابة المالية الفعلية، فتتم غالباً بواسطة ديوان المحاسبة، إلا إذا نص القانون الداخلي للمؤسسة على سلطة رقابية أخرى. وفي الغالب، يكون ديوان المحاسبة هو الجهة الرئيسة للرقابة المالية.
وتعتمد الرقابة الملحقة على تقارير التدقيق التي يصدرها ديوان المحاسبة عن الوزارات والإدارات. وقد لا تكون هذه الرقابة الملحقة فعالة دائماً، بخاصة إذا لم تصدر التقارير لفترة طويلة، مما يحد من قدرة مجلس النواب على ممارسة الرقابة بصورة فعالة.
في قلب هذه المنظومة يقف ديوان المحاسبة، لكن دوره في مرحلة الإعداد ليس كما يعتقد كثر، إذ يؤكد المدعي العام لدى ديوان المحاسبة القاضي فوزي خميس أن 'الديوان لا يؤدي دوراً مباشراً في هذا الخصوص، ويقتصر دوره على الرقابة على تنفيذ الموازنة المتعلقة بتلك المؤسسات وإصدار توصيات من المفترض أن يكون لها وقعها في حال تم التقيد بها لجهة ارتكاب ومعالجة بعض الثغرات وتضمينها مشاريع الموازنات اللاحقة'.
وعن طبيعة الرقابة يوضح أن 'الديوان يملك الصلاحيتين، ولكن بعد تعديل السقوف المالية للرقابة المسبقة باتت رقابته المسبقة محدودة مقارنة بما كان الوضع عليه سابقاً، وذلك في مقابل التركيز على رقابة التقارير التي تدخل في الملاءمة ولا تقتصر بالانتظام والمشروعية، ولكنها ليست سوى توصيات إن لم يصل إلى فتح ملفات قضائية تبعاً لها وفقاً للأصول'، أي إن الرقابة المسبقة موجودة، ولكنها أضيق نطاقاً مما كانت عليه، فيما تتعزز الرقابة اللاحقة عبر التقارير، لكن ماذا لو تم تجاهل هذه الملاحظات؟ يجيب القاضي خميس 'يمكن وضع تقارير في هذا الخصوص، ويمكن عدم الموافقة على ملفات ذات صلة بها عند عرضها على رقابة الديوان المسبقة. ولا شيء يمنع من فتح ملفات قضائية في هذا الخصوص في حال ثبت الإضرار بالمال العام من جرائها'.
وإذا لم تنفذ التوصيات؟ يوضح أن 'توصيات الديوان يمكن إدراجها في تقريره السنوي وتقاريره الخاصة التي تحاط علماً بها أعلى المراجع، ويمكن أن تتخذ أساساً في فتح ملفات قضائية في شأنها عند ثبوت الإضرار بالمال العام من جراء التقصير والإهمال في معالجة أوجه القصور'.
إذا كان رفض موازنة الضمان يشكل إنذاراً مبكراً، فإن المعالجة لا تقتصر على تصويب أرقام مؤسسة واحدة، بل تتطلب إصلاحات أوسع، لا سيما لجهة إلزام الإدارات بإرفاق دراسات وتقديرات مفصلة مع مشاريع موازناتها ونشر الموازنات التفصيلية والتقارير المالية للرأي العام وتفعيل مناقشات لجنة المال والموازنة وإتاحة خلاصاتها، وكذلك دعم ديوان المحاسبة بالإمكانات البشرية والتقنية وعدم الضغط عليه من سياسيين، إضافة إلى ربط الموازنات بخطط واضحة قابلة للتطبيق.
من هنا لا يمكن فصل حادثة موازنة الضمان لعام 2025 عن النظام المالي العام. فالموازنة ليست مجرد أرقام وحسابات، بل مسار متكامل يبدأ بالتخطيط المبني على بيانات موثوقة، يمر بالتقيد بالتعاميم والسقوف، ويجب أن يسري على جميع من يتعاطى بالمال العام من إدارات ومؤسسات استثمارية وغير استثمارية، ويخضع لرقابة مسبقة ولاحقة، وينتهي بمساءلة برلمانية وقضائية.
هذه السلسلة غير متاحة حالياً في لبنان، لذلك لا تقتصر عملية إصلاح منظومة إعداد الموازنات على تعديل إجراءات تقنية هنا أو هناك، بل تستدعي مقاربة شاملة تعزز التخطيط المبني على البيانات، وتفعل أدوات الرقابة، وتكرس مبدأ إتاحة المعلومات. عندها فقط يمكن للموازنة أن تتحول من إطار نظري إلى أداة فعلية للحد من الهدر وترسيخ إدارة مالية أكثر كفاءة واستدامة.
'ينشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات'.











































































