اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
حين كانت المعلومة شيئًا ثمينًا كان الواحد منا يفاخر بمعلومة لا يعرفها غيره، أو بكتاب أو مجلة لا يملكها سواه؛ نبحث عنها، ونحتفظ بها، وربّما شعرنا بشيء من الزّهو؛ لأنّنا نعرف ما لا يعرفه الآخرون، ثمّ جاء (جوجل) فأصبح العالم كلّه – تقريبًا – ملك أيدينا بنقرة أصبع، فتكتب كلمة واحدة ليفتح لك محرّك البحث أبوابًا لا تكاد تنتهي من المعلومات والصّور والكتب والأخبار والفيديوهات، وبسرعة تفوق بساط سليمان عليه السّلام، وربّما تنافس مصباح علاء الدّين أيضًا حيث تجد نفسك قدْ انتقلتَ منْ مكانك إلى أقصى العالم وأنتَ جالس في فراشك الوثير!
كان هذا في بدايته أشبه بالسّحر، واليوم - بعد أكثر من ربع قرن على ظهور (جوجل) - لمْ يعد الأمر مجرّد بحث عنْ معلومة، لقدْ تغيّرت الحكاية كلّها حينَ دخلَ الذّكاء الاصطناعيّ إلى حياتنا، وأصبح بإمكاننا أنْ نسأل الآلة كما نسأل شخصًا، وأنْ نطلب منها أنْ تشرح لنا، وتقارن، وتترجم، وتساعدنا في الكتابة، ووصل الأمر إلى أنْ نواصل معها الحديث بالسّؤال والجواب، كأنّ (جوجل) كبر معنا، أو لعلّنا نحن الذين كبرنا معه.
في الماضي كنّا نسأل: أين أجد المعلومة؟ أمّا اليوم فالسّؤال الأهمّ: ماذا سأفعل بهذه المعلومة؟
وهنا تبدأ المشكلة! فالمعلومة التي كانتْ نادرة بالأمس أصبحت اليوم أكثر ممّا نستطيع قراءته وأصبحنا نحتاج إلى منْ يساعدنا في اختيارها وفهمها والتّأكّد منها؛ فليس كلّ ما يظهر أمامنا حقيقة، وليس كلّ ما يلمع على الشّاشة معرفة، وليس كلّ إجابة سريعة إجابة صحيحة، وهذا ينطبق على (جوجل) وعلى الذّكاء الاصطناعيّ وعلى كلّ ما يأتينا منْ عالم الإنترنت.
لقدْ أصبح بإمكاننا - ونحن في بيوتنا - أنْ نعرف حالة الطّقس في مدينة بعيدة، ومواعيد الطّيران، وأسعار العملات، وفارق التّوقيت بين عواصم العالم، وأنْ نشاهد الأماكن التي لمْ نزرْها، ونقرأ الكتب التي لمْ تصلْ إلى أيدينا، ونترجم ما لا نعرف لغته.
لكنْ، وسط كلّ هذه الوفرة يبقى السّؤال: هل أصبحنا أكثر معرفة؟
لستُ على يقين، ربّما أصبحنا أكثر وصولًا إلى المعرفة، وهذه مسألة مختلفةٌ تمامًا.
وهنا أتذكّر تلك البرامج التّلفزيونية التي كانت تقوم على المسابقات والأسئلة والأجوبة حين كان المتسابق الذي يحفظ أكبر عدد من المعلومات يبدو وكأنّه موسوعة تمشي على قدمين، أمّا اليوم، فالهاتف الذي في يد طفل يستطيع أنْ يخبرنا بالكثير منْ ذلك في ثوانٍ.
إذن ماذا بقي للإنسان؟ بقي أنْ يفكّر، وبقي أنْ يسأل السّؤال الصّحيح، وبقي أنْ يعرف متى يصدّق ومتى يشكّ، وربما بقي الأهمّ: أنْ يعرف ماذا يريد أصلًا؛ لأنّ قيمة الإنسان ليست في عدد المعلومات التي يستطيع أنْ يستعرضها أمام الآخرين، قد تعرف آلاف الحقائق، لكنْ هل جعلتك أكثر فهمًا للحياة؟ أكثر قدرة على التّعامل مع الآخرين؟ أكثر جمالًا ونبلًا؟
ما قيمة أنْ نعرف كلّ شيء عن العالم، ولا نعرف شيئًا عن أنفسنا؟
وهنا أحبّ تلك العبارة التي كتبها أحد الأصدقاء ذات يوم: 'يمكنك البحث في (جوجل) عنْ كلّ شيء ما عدا قدراتك ورغباتك، شغّل محرّك بحثك الخاصّ، وابحث عنْ ميزاتك وهواياتك داخل ذاتك'.
لقد منحنا (جوجل) والعالم الرّقمي نعمة عظيمة: جعل المعرفة قريبة وسهلة وسريعة، لكنْ كلّ نعمة تحتاج إلى أنْ نحسن استخدامها؛ فالمشكلة لمْ تعدْ في أنْ نجد المعلومة، وإنّما في أنْ نعرف أيّ معلومة تستحقّ أنْ نحتفظ بها، وربّما تكون هذه هي المفارقة الجميلة في عصرنا: كلّما أصبحت الآلة أكثر قدرة على الإجابة، أصبح الإنسان أكثر حاجة إلى أنْ يتعلّم كيف يسأل.
(جوجل)، لقدْ أخذتنا بعيدًا، عرّفتنا إلى العالم، وفتحت لنا أبوابًا لمْ نكنْ نعرفها منْ قبلُ، واليوم يدخل معنا الذكاء الاصطناعيّ إلى هذه الرّحلة، ويحمل إلينا إمكانات جديدة لا نعرف بعدُ إلى أين ستصل، فأهلًا بكلّ جديد، ما دام في خدمة الإنسان، وأهلًا بالمعرفة، ما دامت تقود إلى الحكمة، وأهلًا بالتكنولوجيا، ما دامت تجعل حياتنا أجمل وأسهل وأكثر إنسانية، أمّا نحن، فعلينا أنْ نتذكّر دائمًا أنّ هناك محرك بحث واحدًا لا يستطيع أحد أنْ يستخدمه بدلًا منا ذاك هو محرك البحث الذي في داخلنا.

























































