اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢١ أيلول ٢٠٢٦
من حارس مرمى بقائمة منتخب إسبانيا في كأس العالم 1994 إلى مدرب يقود منتخب قطر في “خليجي 27″، قطع جولين لوبيتيجي مسيرة طويلة ومتقلبة صنعت اسمه في كرة القدم الأوروبية، وجمع خلالها بين لحظات النجاح وأخرى يصعب نسيانها.
فالرجل الذي لم يحظ بمسيرة لافتة كلاعب، تحول بعد اعتزاله إلى مدرب قاد منتخبات إسبانيا للفئات السنية إلى ألقاب أوروبية، ثم تولى تدريب المنتخب الأول وريال مدريد وإشبيلية وعدد من أندية الدوري الإنجليزي، قبل أن يجد نفسه أمام تجربة جديدة في الخليج مع المنتخب العنابي.
وفي جدة، لن تكون مشاركة لوبيتيجي في “خليجي 27” مجرد محطة أخرى في مسيرته، وإنما اختبار لقدرة مدرب اعتاد العمل تحت ضغط المنافسة الأوروبية على قيادة منتخب يمتلك طموحات كبيرة في بطولة ذات خصوصية مختلفة. وبين ذكريات إقالته من تدريب إسبانيا قبل انطلاق مونديال 2018، ونجاحه في قيادة إشبيلية إلى لقب الدوري الأوروبي، يدخل المدرب الإسباني البطولة الخليجية بخبرة واسعة ورغبة في صناعة فصل جديد مع قطر، بعد أن اختار الانتقال من مقاعد الأندية الأوروبية إلى مشروع منتخب يسعى إلى إثبات حضوره على المستويين الإقليمي والدولي.
ولد لوبيتيجي في 28 أغسطس/آب 1966 بمدينة أستياسو في إقليم الباسك، وبدأ مسيرته في مركز حراسة المرمى، حيث مر بفرق الشباب والرديف في ريال سوسييداد قبل الانتقال إلى ريال مدريد. ولم تكن مهمته سهلة في النادي الملكي في ظل وجود الحارس فرانسيسكو بويو، لذلك اكتفى بظهور وحيد مع الفريق في الدوري الإسباني خلال موسم 1989/1990، قبل أن يخوض تجارب مع لاس بالماس على سبيل الإعارة ثم مع لوجرونيس وبرشلونة ورايو فايكانو.
وعلى المستوى الدولي، خاض لوبيتيجي مباراة واحدة فقط مع المنتخب الإسباني، وكانت أمام كرواتيا في 23 مارس/آذار 1994، لكنه كان ضمن قائمة المنتخب في كأس العالم بالولايات المتحدة في العام نفسه دون أن يشارك في أي مباراة، باعتباره الحارس الثالث.
وكان اعتزاله اللعب بداية لمسيرة أكثر نجاحاً على مقاعد التدريب. بدأ لوبيتيجي العمل مع رايو فايكانو ثم الفريق الرديف لريال مدريد (كاستيا)، قبل أن يجد مكانه الحقيقي داخل منتخبات إسبانيا للفئات السنية، حيث تولى تدريب منتخبات تحت 19 عاما وتحت 20 عاما وتحت 21 عاماً بين عامي 2010 و2014.
وهناك بدأ اسم لوبيتيجي يبرز بقوة، بعدما قاد منتخب إسبانيا تحت 19 عاماً إلى لقب بطولة أوروبا عام 2012، ثم قاد منتخب تحت 21 عاماً إلى لقب البطولة الأوروبية في 2013. واعتمد خلال تلك الفترة على أسلوب يقوم على الاستحواذ والتمرير السريع والتحكم في إيقاع المباراة، مع الاستفادة من جيل من المواهب التي أصبحت لاحقاً من أبرز عناصر الكرة الإسبانية.
وفي مايو/أيار 2014، خاض لوبيتيجي أول تجاربه الكبرى خارج إسبانيا عندما تولى تدريب بورتو البرتغالي. ورغم عدم نجاحه في التتويج بأي لقب خلال فترة وجوده، وصل الفريق إلى دور الثمانية في دوري أبطال أوروبا موسم 2014/2015، قبل أن تنتهي تجربته مع النادي في يناير/كانون الثاني 2016.
لكن تجربته الأبرز جاءت بعد ذلك بأشهر قليلة عندما اختير مدرباً للمنتخب الإسباني خلفاً لفيسنتي دل بوسكي. وتمكن لوبيتيجي من قيادة الماتادور إلى سلسلة من 20 مباراة متتالية دون هزيمة، حقق خلالها 14 فوزاً مقابل ستة تعادلات، ليبدو المنتخب الإسباني في طريقه إلى المنافسة بقوة على لقب كأس العالم 2018.
غير أن واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في مسيرته جاءت قبل انطلاق البطولة بأيام. ففي 13 يونيو/حزيران 2018، أقال الاتحاد الإسباني لوبيتيجي من منصبه بعد الإعلان عن اتفاقه على تدريب ريال مدريد عقب كأس العالم من دون الحصول على موافقة الاتحاد. وجاء القرار قبل يومين فقط من المباراة الأولى لإسبانيا في المونديال، لينتهي مشواره مع المنتخب الأول رغم أنه لم يخسر أي مباراة خلال فترة قيادته.
وانتقل لوبيتيجي مباشرة إلى ريال مدريد، لكن تجربته مع النادي الملكي كانت قصيرة للغاية. بدأ الموسم بنتائج جيدة، إلا أن تراجع الفريق لاحقاً، والهزيمة الثقيلة أمام برشلونة 1/ 5، عجلا برحيله في أكتوبر/تشرين الأول 2018، بعد 139 يوماً فقط من توليه المسؤولية.
وكانت إشبيلية المحطة التي أعادت الاعتبار إلى المدرب الإسباني. تولى لوبيتيجي تدريب الفريق في 2019، وفي موسمه الأول قاده إلى لقب الدوري الأوروبي، بعدما تفوق على إنتر ميلان 3 /2 في المباراة النهائية، ليحقق أول ألقابه الكبرى على مستوى الأندية ويثبت قدرته على بناء فريق قادر على المنافسة في البطولات الأوروبية.
واستمرت تجربته مع إشبيلية حتى أكتوبر/تشرين الأول 2022، وخاض خلالها عدداً كبيراً من المباريات، قبل أن تنتهي بعد بداية متعثرة للموسم والهزيمة أمام بوروسيا دورتموند في دوري أبطال أوروبا.
بعد ذلك انتقل لوبيتيجي إلى الدوري الإنجليزي، حيث تولى تدريب وولفرهامبتون في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، في وقت كان الفريق يعاني من شبح الهبوط. ونجح في تحسين نتائج الفريق وقيادته إلى البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز، بعدما أنهى الموسم في المركز الثالث عشر، قبل أن يرحل في أغسطس/آب 2023.
وفي مايو/أيار 2024 عاد لوبيتيجي إلى الدوري الإنجليزي من بوابة ويستهام يونايتد، لكنه لم يستمر طويلاً في منصبه، لتنتهي التجربة في يناير/كانون الثاني 2025.
وبعد سنوات من العمل بين الأندية والمنتخبات الأوروبية، اختار لوبيتيجي خوض تجربة جديدة مع المنتخب القطري، حيث تولى المسؤولية في مايو/أيار 2025 بعقد يمتد حتى عام 2027. وجاء تعيينه في مرحلة يسعى فيها المنتخب القطري إلى استعادة توازنه وتعزيز حضوره بعد تتويجه بكأس آسيا عام 2019 و2023، ثم مشاركته في كأس العالم 2022 باعتباره منتخب البلد المضيف.
ومع لوبيتيجي، دخل المنتخب القطري مرحلة جديدة من العمل على إعادة بناء الفريق وتحقيق التوازن بين عناصر الخبرة والمواهب الشابة، مع التركيز على التنظيم التكتيكي والقدرة على التحكم في المساحات وسرعة التحول بين الدفاع والهجوم.
ولم تكن مهمة التأهل إلى كأس العالم 2026 سهلة، إذ خاض المنتخب القطري مشوار التصفيات الآسيوية بعدما كان قد شارك في مونديال 2022 بصفته المضيف. ونجح الفريق في تصدر مجموعته في الدور الثاني برصيد 16 نقطة، ثم واصل مشواره في الدور الثالث ضمن مجموعة ضمت إيران وأوزبكستان والإمارات، قبل أن يحسم التأهل بعد مرحلة حاسمة من المنافسات.
وكان الفوز على الإمارات 2 /1 في الجولة الأخيرة من الدور الرابع نقطة مهمة في مشوار لوبيتيجي مع المنتخب، بعدما منح قطر بطاقة التأهل إلى كأس العالم عبر التصفيات للمرة الأولى، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المنتخب على المستوى العالمي، حيث حصد الفريق أول نقطة له في مونديال 2026 بعد تعادل تاريخي مع سويسرا في مباراته الافتتاحية لكنه ودع البطولة من دور المجموعات بعد هزيمتين متتاليتين أمام كندا والبوسنة والهرسك.
ويعتمد لوبيتيجي في عمله على بناء اللعب من الخلف، والاحتفاظ بالكرة عندما تسمح ظروف المباراة، مع عدم التضحية بالتوازن الدفاعي. كما يولي أهمية كبيرة للتحرك الجماعي والضغط المنظم واستغلال المساحات، إلى جانب قدرته على تغيير الأسلوب وفقاً لطبيعة المنافس.
وتظهر خبرته مع المنتخبات الإسبانية للفئات السنية في اهتمامه بتطوير اللاعبين الشباب ومنحهم أدواراً أكبر، وهو ما يتناسب مع حاجة المنتخب القطري إلى الجمع بين عناصر الجيل الذي حقق لقب كأس آسيا ولاعبين جدد قادرين على تحمل المسؤولية في السنوات المقبلة.
ويأتي خليجي 27 في جدة ليكون واحداً من أهم الاختبارات الإقليمية للوبيتيجي منذ توليه قيادة قطر، في بطولة تحمل أهمية خاصة للمنتخبات الخليجية وتتيح للمدرب الإسباني قياس مدى التطور الذي طرأ على فريقه أمام منافسين يعرفون طبيعة هذه المسابقة جيداً.
وبعد مسيرة شهدت ألقاباً مع منتخبات إسبانيا للفئات السنية، ونجاحاً أوروبياً مع إشبيلية، وتجارب صعبة مع إسبانيا وريال مدريد وبعض أندية الدوري الإنجليزي، يدخل لوبيتيجي مرحلة جديدة في مسيرته مع قطر، واضعاً خبرته الطويلة أمام تحد مختلف في كرة القدم الخليجية.
وفي خليجي 27، لن يكون التحدي بالنسبة للمدرب الإسباني مرتبطاً فقط بالمنافسة على لقب جديد، بل بقدرته على تحويل خبرته الأوروبية إلى مشروع قادر على منح قطر شخصية أكثر ثباتاً، ونتائج أفضل، وطموحاً يتجاوز حدود البطولة الخليجية إلى المنافسة على الساحة الآسيوية والعالمية.

























































