اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
خاص / شهاب
داخل ورشة صغيرة في قطاع غزة، ينحني صاحبها لساعات فوق أجهزة منزلية معطلة، يحاول إصلاحها بما تبقى بين يديه من أدوات وقطع قديمة. فكل جهاز يعود إلى العمل يعني زبونًا لم يخسر أمله، وكل قطعة غيار مفقودة تعني جهازًا آخر سيبقى معطلًا.
ومع استمرار الحرب وإغلاق المعابر، أصبحت أبسط قطع الغيار نادرة، وبات أصحاب الورش يعتمدون على تفكيك الأجهزة التالفة أو إعادة استخدام قطع مستهلكة، في محاولة لإبقاء مهنتهم وحياة الناس مستمرة.
حجم الأزمة
ولا تتوقف أزمة نقص البضائع عند حدود المحال والأسواق، بل تمتد إلى قلب الاقتصاد الغزي؛ حيث أدى تراجع تدفق السلع والمواد الخام وقطع الغيار إلى تعطيل قطاعات واسعة، من الورش الصغيرة إلى المنشآت الصناعية، ما قلل الإنتاج ورفع تكلفة الخدمات والمنتجات المتوفرة في الأسواق، بينما يواصل المواطنون البحث عن احتياجاتهم الأساسية وسط ارتفاع متواصل في الأسعار.
يقف توفيق الغرابلي عاجزًا منذ أكثر من ستة أشهر عن إصلاح الكرسي الكهربائي الخاص بطفله من ذوي الإعاقة، بعدما اصطدمت كل محاولاته بعدم توفر قطعة غيار صغيرة في جميع ورش قطاع غزة.
ويقول الغرابلي إن الكرسي الكهربائي لا يمثل وسيلة تنقل لطفله فحسب، بل هو 'شريان الحياة' الذي يعتمد عليه في الحركة وقضاء احتياجاته اليومية، موضحًا أنه طرق أبواب عشرات الورش بحثًا عن القطعة المطلوبة، إلا أن جميعها أكدت عدم توفرها بسبب استمرار منع دخول قطع الغيار إلى القطاع.
ويضيف أن طفله أصبح حبيس المكان منذ تعطل الكرسي، بعدما تحولت قطعة صغيرة لا يتجاوز ثمنها بضعة دولارات في الظروف الطبيعية إلى عقبة تحرمه من الحركة، في مشهد يجسد حجم الأزمة التي تعصف بقطاع الصيانة في غزة.
ولا تقتصر المشكلة على حالة الغرابلي، إذ يؤكد أصحاب ورش صيانة الأدوات المنزلية أن عملهم بات يواجه تحديات غير مسبوقة بسبب النقص الحاد في قطع الغيار والمواد الخام، الأمر الذي يدفعهم إلى تفكيك أجهزة تالفة للاستفادة من بعض مكوناتها، أو الاعتذار للمواطنين عن إصلاح أجهزتهم لعدم توفر القطع اللازمة.
ويقول أشرف أبو الهنود صاحب إحدى ورش الصيانة إن كثيرًا من الأعطال التي كانت تُصلح خلال دقائق أصبحت اليوم تستغرق أسابيع أو أشهر، بينما تتوقف بعض عمليات الإصلاح بالكامل بسبب فقدان قطعة صغيرة لا يمكن استبدالها، مضيفًا أن الورش تعمل اليوم بإمكانات محدودة وتعتمد على إعادة تدوير القطع القديمة في محاولة لتخفيف معاناة المواطنين.
ولا تنفصل معاناة الورش عن الأزمة التي يعيشها القطاع الخاص، إذ يحذر من أن استمرار القيود المفروضة على إدخال البضائع والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج أدى إلى شلل واسع في المنشآت الاقتصادية، وأعاق محاولات استئناف النشاط التجاري والإنتاجي.
ويقول رئيس اللجنة الاقتصادية في غرفة تجارة غزة، رياض السوافيري، إن القطاع الخاص يرفض بشكل مطلق الآلية الحالية لإدخال البضائع، باعتبارها تقتصر على فئة محددة من التجار ولا تتيح المجال أمام جميع العاملين في القطاع التجاري للمشاركة بصورة متكافئة في عمليات الاستيراد وتوفير احتياجات السوق المحلية.
شلل واسع
ويضيف السوافيري لـ'شهاب' أن القطاع الخاص لا يزال يعاني من شلل واسع نتيجة استمرار منع إدخال العديد من المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والمعدات اللازمة لإعادة تشغيل المنشآت الاقتصادية، مؤكدًا أن القيود الحالية لا تؤثر فقط على حركة التجارة، وإنما تعرقل أيضًا جهود إعادة بناء النشاط الاقتصادي واستعادة عجلة الإنتاج في المنشآت التي توقفت عن العمل.
ويشير إلى أن الواردات تقتصر على عدد محدود من السلع التي لا تلبي احتياجات السوق المحلي، الأمر الذي يبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة ويزيد الأعباء المعيشية على المواطنين، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى توفير مختلف السلع والمواد الأساسية وضمان تدفقها بصورة منتظمة إلى الأسواق.
وفي الأسواق، تبدو آثار هذه الأزمة واضحة مع استمرار ارتفاع أسعار العديد من السلع، نتيجة محدودية الواردات وتراجع المنافسة، الأمر الذي جعل الحصول على كثير من الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة بالنسبة للعائلات التي أنهكتها الحرب.
من جانبه، يقول المختص بالشأن الاقتصادي محمد الدريملي إن الأسواق في قطاع غزة تعيش حالة غلاء غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب، مشيرًا إلى أن ما يعرف بـ'تنسيقات التجار' لإدخال البضائع أصبح أحد أبرز أسباب ارتفاع الأسعار.
نطاق ضيق
ويوضح الدريملي أن عددًا محدودًا من التجار يحصلون على تصاريح إدخال السلع، ما يجعل بوابة الإمداد لسوق يضم أكثر من مليوني فلسطيني محصورة في نطاق ضيق، وهو ما يضعف المنافسة ويمنح قدرة أكبر على التحكم في السوق ومستويات الأسعار.
ويضيف أن تكلفة التنسيق للشاحنة الواحدة تصل إلى أكثر من 500 ألف شيكل، وهي تكلفة لا يتحملها التاجر وحده، بل تُضاف إلى أسعار السلع ليجد المستهلك نفسه في نهاية المطاف يدفع ثمن القيود المفروضة على حركة التجارة وإدخال البضائع.
وبين ورشة تعجز عن إصلاح جهاز بسبب قطعة غيار مفقودة، ومنشأة تنتظر مواد خام لاستئناف إنتاجها، وأسواق تعاني من محدودية البضائع وارتفاع الأسعار، تبدو الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة أكثر تعقيدًا من مجرد نقص في السلع، إذ تمتد إلى تعطيل دورة الإنتاج بأكملها، بما يهدد فرص تعافي القطاع الخاص ويضاعف الأعباء المعيشية على المواطنين، في ظل مطالبات متواصلة بفتح المعابر والسماح بدخول البضائع والمواد الخام وقطع الغيار دون قيود، بما يسهم في إعادة تشغيل الورش والمنشآت الاقتصادية، واستعادة الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي في القطاع.

























































