اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
أحمد الفهيد
(١)
في الحياة لحظات تختبر فيها الأوطان معنى الأمان، وتختبر فيها المواقف معادن الذين يقفون إلى جوارها، وفي تلك اللحظات، لا يصبح المشهد مجرد خبر عابر، ولا تبقى الصورة حبيسة إطارها، إذ تكتسب الأشياء الصغيرة معاني أكبر من حجمها، وتصبح تلويحةُ يد، أو قبلةٌ في الهواء أبلغ من خطبة طويلة.
البارحة، لم تكن العاصمة السعودية الرياض، عاصمة القرار والاستقرار، على موعد مع مباراة آسيوية عادية، فقد تأخرت مواجهة «النصر السعودي» و«نيفتشي الأوزبكي» في دوري أبطال آسيا للنخبة ساعة كاملة، استجابة لتحذير أمني طارئ، بوجود خطر وشيك، نتيجة هجمات «حوثية» إرهابية، قبل أن تعلن الجهات المختصة زوال الخطر، وتستأنف الحياة إيقاعها المعتاد.
ثم انطلقت المباراة، وفاز النصر، لكن الحكاية التي تستحق أن تُروى لم تكن في تفاصيل المباراة، ولا نتيجتها التي آلت إليها، لقد كانت في شيء حدث خارج حسابات الأهداف، وفي مشهد لم يحتج إلى صافرة الحكم كي يلفت الانتباه.
(٢)
ذهبت المباراة إلى نهايتها، وذهب «كريستيانو رونالدو» مع كتيبته الصفراء لتحية «جماهير الشمس»، كما اعتاد اللاعبون بعد كل انتصار يقطفونه من أشجار الفرح المغروسة في حقول العالم.
مشهد مألوف، لا يستوقف أحدًا في العادة، غير أن رجل البرتغال الكبير طلب هذه المرة «شالًا» يحمل اسم المملكة العربية السعودية، وعبارة نُقشت بخط اليد: «عاش المليك للعلم والوطن»، وما إن أمسكه حتى رفعه عاليًا، ولوّح به في مشهد بدا كأنه يعلن ثقته بقوة هذا البلد، واعتزازه به، وتضامنه معه، ومحبته لأهله.
ثم جلس على مقاعد البدلاء، وخلع قميصه، وقبّل موضع شعار السعودية المرسوم عليه (السيفان المتقاطعان والنخلة).
هنا، تحديدًا، انتقل المشهد من حدود الاحتفال بانتصار رياضي إلى مساحة أكثر إنسانية، فالشال لم يكن مجرد قطعة قماش، والشعار لم يكن رسمًا على قميص، كانا رمزين لوطن تعرّض لتهديد إرهابي، ثم مضى أهله إلى حياتهم، وذهب لاعبوه إلى ملعبهم، واستكملوا مباراتهم، وكأن الرياض تقول للعالم إن الحياة فيها أكبر من أن يوقفها تهديد، وإن أمنها أقوى من أن تهزه جماعة إرهابية فاسدة مفسدة بعمل جبان.
(٣)
لم يكن مطلوبًا من «الدون» أن يفعل ذلك، ليس في عقده ما يُلزمه بقبلة لشعار الوطن، ولا في واجباته المهنية ما يفرض عليه أن يحمل شالًا سعوديًا ويلوح به أمام الجماهير، وأمام عيون الدنيا كلها، كان يستطيع أن ينهي ليلته بهدفه وانتصار فريقه، وأن يخرج من الملعب كما يفعل النجوم بعد كل مباراة .. لكنه اختار أن يضيف إلى المشهد شيئًا لا يُقاس بالأرقام.
وهذه هي قيمة المواقف التي تأتي من دون إلزام، أنها تكشف ما يتجاوز الواجب، وتمنح المشاعر فرصةً للظهور من غير أن تستأذن أحدًا، ولعل أجمل ما في هذه الصورة أن «CR7» لم يكن بحاجة إلى أن يشرحها لنا، فقد سبق أن إرتجل كلامًا يختصر كثيرًا من دلالاتها، إذ قال صراحة في مقابلة سابقة: «صحيح أنني برتغالي، لكنني أنتمي إلى السعودية»، وأنه يشعر بالسعادة في هذا البلد، ويريد الاستمرار فيه.
لم تكن العبارة عبارة عن ومضة عاطفية عابرة في حديث صحافي، فقد عاد إليها في أكثر من مناسبة، وتحدث عن محبته للسعودية وللسعوديين، وعن شعوره بالأمان مع عائلته بينهم وفيها، وعن رغبته في أن يكون جزءًا من مستقبل المملكة.
(٤)
ونخطئ إذا قرأنا مشهده الأخير بمعزل عن هذا السياق، فالمواقف لا تُفهم دائمًا من لحظتها وحدها، وإنما من المعاني التي تتراكم خلفها .. وحين يرفع رجل برتغالي في قلبه، راية «بلده الأول»، ثم يرفع في الملعب شال وطن آخر، ويقبّل شعاره، فإن الصورة تذكّرنا بأن الإنسان أوسع من حدود «جواز سفره»، وأن الأوطان التي تمنحك الطمأنينة، وتحتضن أحلامك، وتفتح لك أبوابها، تستطيع أن تجد لنفسها مكانًا في قلبك لا تتيحه لك الجغرافيا وحدها.
لا أعرف ما الذي دار في نفس «رونالدو» خلال تلك الساعات، ولا أملك أن أنسب إليه حزنًا لم يصرّح به، لكنني أعرف أن رؤية مدينة أحبها أهلها، واعتادوا أمنها، وهي تواجه تهديدًا إرهابيًا سافرًا، ظالمًا، فاجرًا، من هذا النوع، كفيلة بأن تترك أثرها في كل من يشعر تجاهها بالانتماء .. وأعرف أيضًا أن ما فعله بعد المباراة كان رسالة واضحة، لا تحتاج إلى تفسيرات متشعبة ومعقدة كي نفهم منها اعتزازه بالسعودية وحبه لها.
(٥)
أما الرياض، فحكايتها أكبر من مباراة تأخرت، وأهم من صاروخ جرى اعتراضه، وأجمل من كل الصور التي قد يلتقطها العالم لها. هي مدينة تعرف كيف تحمي أمنها، وكيف تستعيد سعادة يومها وسكينته، وكيف تمنح أهلها الطمأنينة التي يستحقونها.
وفي وطن كهذا، لا تكون القوة في القدرة على ردّ العدوان فقط، وإنما في القدرة على مواصلة الحياة بعده، من دون أن يتنازل الناس عن حقهم في الفرح، ولا عن ثقتهم بأرضهم.
(٦)
وأجمل ما تعطيه الأوطان لمن يحبها أن تجعله يشعر بأنه ليس غريبًا فيها، حتى لو جاءها من أقصى الأرض، وحين يبلغ الانتماء هذه المنزلة، لا يصبح المرء بحاجة إلى أن يثبت أنه ابن المكان، تكفيه لحظة صادقة، يحيط فيها عنقه بشال أخضر يحمل اسم الوطن، ويطبع قُبلة على شعاره، وكأنه يقول للناس، كل الناس: «أنا هنا، وهذا المكان يعني لي شيئًا عظيمًا».
قد يولد الإنسان في وطن، ثم تعلّمه الحياة أن للقلب أوطانًا أخرى، وحين يحب وطنًا لدرجة أن يقبّل شعاره علنًا، لا يكون السؤال من أين جاء، وإنما أي البلاد صارت تسكنه.
(٧)
لم يكن قائد منتخب البرتغال وحده من أفصح عن هذا الانتماء، فقد سبقه التركي «ميريح ديميرال» مدافع «الأهلي السعودي» الذي يعيش في المملكة، قال إنه دائمًا يشعر فيها بالأمان والسعادة، ويثق بأنها بلد قوي، ووصفها بـ «بلده الثاني»، قالها هذا اللاعب الفذ بكل شجاعة، وكان كعادته (صنديدًا) حين يحتدم المشهد، ويحتاجه الموقف، قالها ليؤكد أن هذا البلد العظيم قادر على منح القادمين إليه شعور ابنائه ممن يحملون اسمه وهويته، المملكة تعيد تعريف الوطن على نحو أكثر اتساعًا وإنسانية، فالأوطان التي تملأ روحك بالطمأنينة لا تبقى خارجك، وإنما تتسلل إلى وجدانك حتى يصبح أمنها هو سلامك وسلامتك، ووجعها جزءًا من وجعك.
للقلوب خرائطها الخاصة، وكأن بعض الأوطان لا تحتاج أن تولد فيها كي تنتمي إليها، وإنما يكفي أن تشعر، ذات يوم، أن ما يؤلمها يؤلمك، وأن ما يهدّد أمنها يوقظ فيك خوفًا عليها، وأن سلامها لم يعد شأنًا يعني أهلها وحدهم، لأن لها في قلبك، من حيث لا تدري، مكانًا صار عزيزًا كأنه وُلد معك.










































