اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٥ حزيران ٢٠٢٦
الرجل الذي يمضي معظم أيامه بين المقابر والجنازات يقول إنه لم يعد قادراً على التعامل مع كل حالة وفاة بوصفها صدمة جديدة: 'الموت عندي صار شي عادي. كل يوم عندي ميت، وكل يوم في جنازة'. خلال الحديث، يروي بشارة كيف بات أصدقاؤه يمزحون معه بسبب ارتباط اسمه الدائم بالموت: 'رفقاتي بيقولوا لي: ظل حدا وما أخذته؟'.
قبل نحو خمسة وثلاثين عاماً، كان بشارة نخلة (67 عاماً) يعمل وكيلاً في كنيسة سيدة النياح التابعة لبطريركية الروم الكاثوليك في سوريا، يشارك في الصلوات والخدمات اليوميّة. في أحد أيام الدوام العادية، طلبت منه إدارة الكنيسة، أن يقود سيارة نقل الموتى عوضاً عن السائق الأساسي الذي كان في إجازة. في ذاك النهار، تغيرت حياة بشارة، وتحول مصادفةً إلى رجل يمضي عمله بين الجنازات ونقل توابيت الموتى وجثامينهم.
يقول بشارة: 'سألوني إذا كنت بعرف سوق. قلتلهم إي، مع إني ما كنت أملك سيارة أصلاً. كنت شاب بسيط، وكل همي وقتها إني سوق'، يذكر بشارة أن حماسته لقيادة سيارة الجنازة كانت أشدّ من خوفه من نقل جثمان الميت نفسه، 'سألوني ما بتخاف تجيب ميت؟ قلتلهم لا. المهم إني عم سوق'.
في ذلك الوقت، أي مطلع التسعينات، كانت المئة ليرة سورية التي يحصل عليها مقابل قيادة السيارة تعدّ مبلغاً كبيراً لشاب في بداية الثلاثينات من عمره، ومع الوقت، تحول العمل المؤقت إلى وظيفة ثابتة، وامتدت رحلاته إلى لبنان، وأصبحت بيروت جزءا أساسياً من يومياته. يقول بشارة لـ'درج': 'أول مرة رحت على بيروت كسائق كنت حافظ الطريق والختوم وكل التفاصيل. بعدها صارت بيروت شغلتي'.
بقي بشارة قريباً من عالم الموتى، العالم الذي دخله بالمصادفة واستمر فيه لعقود، حتى صار اسمه مرتبطاً بنقل الجثامين بين لبنان وسوريا. الجملة التي بقيت ترافقه طوال تلك السنوات، كانت نصيحة سمعها في بداياته من أحد العاملين في التوابيت: 'لا تفكر إنك حامل ميت… اعتبر حالك حامل صوفاية ورايح توصلها لعند أصحابها'.
يقول بشارة إن هذه العبارة ساعدته على الاستمرار في مهنة تتطلب، قبل أي شيء، قدرة على التعايش مع الموت. واليوم، لم يعد دور بشارة يقتصر على قيادة سيارة نقل الموتى، بل أصبح حلقة أساسية في رحلة طويلة تبدأ من دول الاغتراب وتنتهي في المقابر السورية.
يشرح الرجل الذي أمضى عقوداً في هذا المجال، أن عمله يبدأ فور تلقي خبر وفاة سوري في الخارج، سواء في أوروبا أو أستراليا أو الولايات المتحدة أو غيرها، وسؤاله الأول دائماً: 'أهل المتوفي بيتواصلوا مع البطركية'، في حال نعم يقول بشارة: 'من هون بيبلش دوري'.
رحلة الجثمان إلى سوريا
قبل وصول الجثمان إلى بيروت، تنجز العائلة سلسلة طويلة من المعاملات الرسمية في بلد الوفاة. أوراق تثبيت الوفاة، التقارير الطبية، أذونات النقل، والموافقات القنصلية، جميعها ترسل مسبقاً لتُجهَّز ملفات كاملة قبل وصول الطائرة. لكن الجزء الأكثر حساسية، بحسب بشارة، يبدأ في مطار بيروت، حيث لا يمكن تسليم الجثمان لأي شخص بسهولة، إذ تخضع العملية لإجراءات دقيقة تتعلق باسم الشخص المكلف بالاستلام. يقول بشارة: 'إذا كان الجثمان جاي باسمي، حتى لو أخ المتوفي واقف جنبي، أنا الوحيد اللي بحقله يستلمه'.
تُكتب في أحيان كثيرة عبارة واضحة ضمن الأوراق الرسمية، تشير إلى أن 'بشارة' هو الشخص المخوّل باستلام الجثمان. وعند وصول النعش، يتعرف عناصر الأمن وشرطة المطار إلى اسمه مباشرة، بعدما أصبح وجهاً مألوفاً في هذا النوع من المهمات، يلفت بشارة: 'أوقات البوليس يقرأ اسمي فوراً، وبتتم عملية التسليم مباشرة، لأنهم بيعرفوا إني أنا اللي بستلم الجثامين من سنين'.
بعد إنهاء التوقيع واستلام الأوراق، تبدأ المرحلة الأخيرة من الرحلة: نقل الجثمان من بيروت إلى سوريا، سواء إلى دمشق أو حمص أو حلب أو غيرها من المناطق. وعلى الرغم من أن دوره يبدو إدارياً ولوجستياً في كثير من الأحيان، إلا أن سنوات العمل الطويلة جعلته جزءاً من ذاكرة هذا المسار الحساس، حتى بات معروفاً داخل المطار وبين العائلات التي تنتظر موتاها على الحدود.
بشارة الذي أمضى عقوداً في هذا العمل، يقول إن الجزء الأكبر من مهمته ليس قيادة السيارة، بل التنقل بين المكاتب والأختام والموافقات الرسمية التي تسمح بنقل الجثمان ودخوله إلى سوريا. يقول بشارة: 'السفارة السورية بالدولة اللي توفى فيها الشخص بتعطي ورقة لا مانع من دخوله سوريا، بعد ما الطبيب يكشف عليه ويثبت سبب الوفاة وأنه ما عنده أمراض سارية'.
بعد وصول الجثمان إلى مطار بيروت، تبدأ مرحلة جديدة من الإجراءات. إذ هناك مكتب مخصص لختم جواز سفر المتوفى، قبل أن تستكمل المعاملات المرتبطة بعبور الحدود، يشير بشارة: 'في المطار بخلص الأوراق، وبعدها بروح على المصنع. في مكان مخصص للجثامين ضمن قسم شحن البضائع… بيتعاملوا مع الميت كأنه بضاعة'.
في نقطة المصنع اللبنانية، يسلم بشارة نسخاً من الأوراق إلى الأمن العام اللبناني، قبل أن ينتقل إلى الجانب السوري، حيث تبدأ إجراءات جديدة تشمل الكشف الطبي مجدداً. يضيف بشارة: 'أول ما أوصل على المصنع السوري، بروح عند الممرض بعطيه نسخة من كل الأوراق، وإذا ما أعطاني ورقة لا مانع من دخول سوريا، ما فيني فوت'. ويتابع: 'في بعض الحالات، يضطر الطبيب للكشف على الجثمان بنفسه، إلا إذا كان التابوت مغلقاً بإحكام. إذا كان التابوت مرصرص، بصير صعب ينفتح، بده ورشة كاملة'.
يقول بشارة إن الوفاة إذا حصلت داخل لبنان، تختلف الإجراءات قليلاً، إذ ينقل الجثمان مباشرة من المستشفى بدل المرور عبر المطار، لكن تبقى موافقة السفارة السورية في بيروت شرطاً أساسياً لعبور الحدود. وبعد انتهاء المعاملات الرسمية، يدخل الجثمان إلى الأراضي السورية، وهناك تبدأ المرحلة الأخيرة من الرحلة. أحياناً يُنقل مباشرة إلى المدفن، وأحياناً إلى المستشفى أو الكنيسة بحسب رغبة العائلة.
يقول بشارة إن مهمته تنتهي عادة عند إيصال الجثمان إلى مكان الدفن، لكنه في بعض الحالات يتولى أيضاً تنظيم تفاصيل الجنازة نفسها، من تأمين السيارات والورود إلى التنسيق مع الجمعيات والكنائس. وعلى الرغم من أن معظم رحلاته تكون من لبنان إلى سوريا، إلا أن عمله أخذه أحياناً إلى اتجاهات مختلفة. يتذكر حالة لرجل سوري توفي خلال زيارته لدمشق، بينما كانت عائلته تعيش في أستراليا. يقول بشارة: 'أخذته من سوريا للأردن حتى يطلع بعدها على أستراليا لعند أهله… نفس المعاملات تقريباً، ونفس الأوراق'.
نقل الجثامين بين حُكمين
يرى بشارة أن أكثر ما تغيّر خلال السنوات الأخيرة لم يكن الإجراءات نفسها، بل طريقة التعامل على الحدود، فبحكم عمله المستمر بين لبنان وسوريا، عايش الرجل فترتين مختلفتين من الإدارة على المعابر الحدودية. ويقول إن التعامل مع الجثامين خلال السنوات السابقة أثناء حكم النظام كان أكثر تعقيد وتوتراً، خصوصاً في مرحلة الكشف الطبي والإجراءات المرتبطة بدخول الجثمان إلى الأراضي السورية. يقول بشارة 'كانوا أحياناً يصرون على فتح التابوت حتى لو كان مغلقاً بإحكام، وكنا نعرف أن الموضوع ممكن يطول ويصير فيه مشاكل، وهدفه الابتزار المادي'.
يلفت بشارة إلى أن بعض الإجراءات كانت تترافق مع مطالبات غير مباشرة أو عراقيل تؤخر العبور، ما كان يضع العائلات أمام مزيد من الضغط في لحظات حساسة أصلاً، أما اليوم(بعد سقوط النظام مع الحكومة الجديدة)، فيصف التعامل على الحدود بأنه أكثر سلاسة، قائلاً: 'صاروا يعرفوني بحكم الشغل. أول ما أوصل وأخبرهم أن معي جثمان، يطلبوا الأوراق مباشرة ونكمل المعاملة'.
كان بشارة متخوفاً في البداية من التعامل مع الموظفين الجدد بعد التغيير في سوريا، خشية ألا يكونوا على دراية بطبيعة عمله أو بالإجراءات الخاصة بنقل الجثامين، إلا أن تجربته كانت مختلفة، ويصفها بأنها كانت 'جيدة وفيها احترام'. وعلى الرغم من أن معظم الجثامين التي ينقلها تعود الى سوريين مسيحيين بسبب ارتباط عمله بالكنيسة، يؤكد أنه لم يلحظ تمييزاً دينياً في التعامل على المعابر. يلفت بشارة: 'ما حدا سألني إذا الميت مسيحي أو مسلم. اللي شفته هو احترام للجثمان وللإجراءات المطلوبة'.
الوصية الأخيرة: أين يريد الموتى أن يُدفنوا؟
يخبرنا بشارة قصة قريبة له توفيت في ألمانيا بعد رحلة علاج طويلة مع مرض السرطان، قبل وفاتها، أوصت أبناءها بألا تُنقل إلى سوريا: 'قالت لأولادها: إذا متت، ادفنوني بألمانيا. كانت تفكر مين راح يزورني إذا اندفنت بالشام؟ أولادي كلهم هون'. بحسب بشارة، تتكرر هذه الوصايا كثيراً بين السوريين المقيمين في الخارج منذ سنوات طويلة. فقرار مكان الدفن لا يرتبط فقط بالانتماء إلى البلد، بل أيضاً بمكان وجود الأشخاص الذين سيبقون على قيد الحياة.
في المقابل، لا تزال عائلات كثيرة تصر على إعادة موتاها إلى سوريا، خصوصاً عندما يكون الأهل والأقارب هناك، أو عندما يكون المتوفى قد أوصى صراحة بالدفن في مدينته أو قريته. يقول بشارة: 'أغلب اللي بيرجعوا، يا إما عندهم وصية واضحة، يا إما لأنه ما عندهم حدا بالخارج يزور قبرهم'.
عندما يُدفن المتوفى خارج سوريا، لا تنقطع صلته بعائلته في الداخل بالكامل. ففي كثير من الحالات، تقام صلاة الغائب في الكنائس بالتزامن مع موعد الدفن في الخارج، ويجتمع الأقارب والأصدقاء لإحياء الذكرى على الرغم من غياب الجثمان، هكذا يتحول سؤال الدفن إلى أكثر من إجراء لوجستي؛ يصبح قراراً يتعلق بالذاكرة والانتماء، وبالمكان الذي سيبقى فيه الإنسان حاضراً بعد رحيله. وخلافاً لما قد يُتداول، لا يرى بشارة أن انخفاض التكلفة هو السبب الرئيسي وراء إعادة الجثامين إلى سوريا. فبحسب تجربته، يرتبط القرار غالباً برغبة العائلة أو وصية المتوفى أكثر مما يرتبط بالحسابات المالية.
كم تكلّف العودة إلى الوطن بعد الموت؟
بالنسبة الى السوريين المقيمين في الخارج، خصوصاً اللاجئين، غالباً ما يتكفل أقاربهم وأصدقاؤهم بجمع التبرعات اللازمة لتغطية النفقات عند الوفاة في حال كانت قدرة أهله المادية سيئة، بخاصة في المجتمعات المهاجرة التي تحتفظ بعلاقات اجتماعية متينة. يستذكر بشارة وجود تسهيلات كانت تُمنح سابقاً للسوريين المتوفين خارج البلاد في عهد النظام الساق، إذ كان هناك مرسوم يسمح بنقل جثمان أي مواطن سوري مجاناً عبر الطيران السوري، بغض النظر عن انتمائه الديني، شرط أن يُشحن عبر وجهات تصلها الطائرات السورية.
أما اليوم، فيقول بشارة إن الصورة لم تعد واضحة كما كانت في السابق، خصوصاً مع تغير خطوط الطيران والمسارات التي تصل بين سوريا والدول التي يقيم فيها السوريون. يضيف: 'حالياً أغلب الجثامين عم تجي من أوروبا، والطيران السوري ما عاد يوصل على كتير من هالدول، لذلك الوضع مو واضح مثل قبل'.
وبحسب بشارة، تتراوح تكلفة نقل الجثمان من مطار بيروت إلى دمشق بين 800 و1000 دولار تقريباً، وتشمل النقل والإجراءات المرتبطة بالوصول إلى العاصمة السورية، لكن النفقات لا تتوقف عند هذا الحد دائماً. ففي بعض الحالات تختار العائلات استبدال التابوت، بآخر جديد داخل سوريا، وهي خطوة قد ترفع الكلفة بشكل ملحوظ، يقول بشارة: 'في توابيت حقها مئة دولار، وفي توابيت توصل لألف دولار وأكثر.'
ينظر بشارة إلى الفوارق الطبقية والاقتصادية بنظرة مختلفة، بالنسبة إليه، لا يغير التابوت من حقيقة المصير شيئاً: 'بالنهاية كله رايح للقبر'.
ما الذي يبقى بعد 40 عامًاً مع الموت؟
على الرغم من السنوات الطويلة التي أمضاها بين الجثامين والجنازات، يقول بشارة إنه ليس من الأشخاص الذين يبكون بسهولة. حتى وفاة والده لم تدفعه إلى البكاء، لكنه يعترف بوجود حالات ما زالت قادرة على هزه من الداخل، لكن أكثر ما يؤثر فيه هو موت الأطفال. يتابع: 'على أبي ما بكيت، بس لما بشوف طفل ميت ما بقدر أتحمل… الطفل ما بيعرف الخير والشر، ما شاف شي من الحياة. بعتبره ملاك، سواء كان مسلم أو مسيحي'.
يرى بشارة أن سنوات الحرب الطويلة في سوريا غيرت علاقة كثير من الناس بالموت، بما في ذلك علاقته الشخصية به، فبعد خمسة عشر عاماً من الأخبار اليومية عن القتل والفقدان والجنازات، لم يعد الموت بالنسبة إليه حدثاً استثنائياً كما كان في السابق. يقول بشارة 'مرقت علينا سنين طويلة من الحرب، وصار الموت مثل الحياة… شي عادي'.
هذه النظرة لا تعني اللامبالاة بقدر ما تعكس اعتياداً فرضته المهنة والظروف معاً، فالرجل الذي يمضي معظم أيامه بين المقابر والجنازات يقول إنه لم يعد قادراً على التعامل مع كل حالة وفاة بوصفها صدمة جديدة: 'الموت عندي صار شي عادي. كل يوم عندي ميت، وكل يوم في جنازة'.
خلال الحديث، يروي بشارة كيف بات أصدقاؤه يمزحون معه بسبب ارتباط اسمه الدائم بالموت: 'رفقاتي بيقولوا لي: ظل حدا وما أخذته؟'.




































































