اخبار لبنان
موقع كل يوم -صيدا اون لاين
نشر بتاريخ: ١٨ حزيران ٢٠٢٦
شكّل الإعلان عن الاتفاق الأميركي-الإيراني محطة مفصلية في مسار الصراع الإقليمي، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة من الحسابات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. وبينما تتجه الأنظار إلى تداعيات هذا التطور على ملفات المنطقة الأكثر سخونة، يبدو لبنان كأحد أبرز الساحات المعنية بنتائج أي تفاهم بين واشنطن وطهران، في ظل استمرار المواجهة مع إسرائيل وتعقيدات المشهدين الداخلي والإقليمي. فهل يشكّل الاتفاق بداية لمسار تسوية يفضي إلى انسحاب إسرائيلي وتهدئة طويلة الأمد على الجبهة اللبنانية، أم أن الطريق لا يزال مليئاً بالعقبات والتجاذبات والصراعات المتشابكة؟
حتى الآن، لا أحد يستطيع الجزم بما يحمله الاتفاق بالنسبة إلى لبنان، فالنص الكامل لم يُكشف عنه بعد، وكل طرف يسارع إلى تقديم روايته الخاصة، مؤكداً أنه خرج منتصراً من المواجهة. أما التسريبات المتداولة، فتبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى محاولات استباقية لصياغة سردية سياسية مبكرة، لأنّ الرواية التي تترسخ أولاً غالباً ما تصبح الأكثر تأثيراً في الرأي العام وصناعة القرار.
وفي هذا السياق، تشير مصادر متابعة إلى أن نجاح إيران في فرض وقف للحرب على الساحة اللبنانية سيُعدّ ضربة سياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلا أن تل ابيب لا تزال تمتلك أوراق ضغط مهمة. وتطرح المصادر أسئلة جوهرية: هل ستنسحب فعلاً من الأراضي اللبنانية؟ وما الثمن السياسي أو الأمني الذي قد تطلبه في المقابل؟
وتلفت المصادر إلى أن الحديث المتداول يدور حول احتمال انسحاب إسرائيلي خلال مهلة ستين يوماً، إلا أن الصورة لا تزال ضبابية. إذ لا يملك الجانب اللبناني معطيات واضحة، فيما يلتزم الأميركيون الصمت، ويواصل الإسرائيليون التأكيد أنهم غير معنيين بهذا الأمر في هذه المرحلة. وفي المقابل، يتحدث الإيرانيون و'حزب الله' عن مهلة زمنية مرتبطة بمسار المفاوضات الجارية، بينما ترفض إسرائيل حتى الآن إعطاء أي التزام واضح.
وتدعو المصادر إلى التوقف عند كلام رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف الذي أكد أن إيران 'قوية بالدبلوماسية' وأن 'حزب الله' قوي في الميدان، مشدداً على عدم السماح لإسرائيل بالاستمرار في ما تقوم به. وترى أن هذا الموقف يعكس تمسك طهران بأوراق قوتها السياسية والعسكرية في أي مفاوضات مقبلة.
وتضيف المصادر أن الإشارات التي صدرت عن واشنطن توحي بأن هناك توجهاً نحو انسحاب إسرائيلي في مرحلة لاحقة، معتبرة أن التصريحات الأخيرة للسفير اللبناني في واشنطن ميشال عيسى تندرج في هذا الإطار. غير أن السؤال يبقى: ماذا لو أصرت إسرائيل على البقاء؟ وهل سيضغط الأميركيون عليها للانسحاب؟ وهل يتضمن التفاهم الأميركي-الإيراني كلام غير معلن يتعلق بكيفية التعامل مع هذا الملف؟ أسئلة لا تزال بلا أجوبة واضحة، بانتظار الكشف عن تفاصيل الاتفاق وبنوده الفعلية.
وفي قراءة لهذه التطورات، ترى أستاذة العلاقات الدولية الدكتورة ليلى نقولا أن إيران نجحت في إدارة المواجهة بطريقة مدروسة، مستفيدة من نقاط ضعف الموقف الأميركي، ولا سيما عجز واشنطن عن تحقيق هدف إسقاط النظام الإيراني. وتشير إلى أن طهران استطاعت الرد على الضربات العسكرية عبر استهداف قواعد أميركية وإظهار قدرات صاروخية متقدمة، إضافة إلى احتفاظها بورقة مضيق هرمز التي تشكل أحد أبرز عناصر الضغط الاستراتيجي في المنطقة.
وترى نقولا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعمّد إطالة أمد التفاوض لإعطاء نتنياهو فرصة لتحقيق مكاسب سياسية أو ميدانية في لبنان، مشيرة إلى أن عامل الوقت كان جزءاً أساسياً من إدارة الأزمة. وترى أن إيران لا تزال تمتلك أدوات ضغط مؤثرة يمكن استخدامها إذا تعثرت التفاهمات، من بينها التهديد بإقفال مضيق هرمز في حال لم يتحقق الانسحاب الإسرائيلي ضمن المهلة التي يجري الحديث عنها.
وتلفت إلى أنّ النظرة الإيرانية للتهديد الإسرائيلي شهدت تحولاً جذرياً خلال الفترة الأخيرة. ففي السابق، كان التهديد الإسرائيلي يُنظر إليه باعتباره محدوداً وقابلاً للاحتواء، أما اليوم فقد بات يُنظر إليه كخطر مباشر، خصوصاً بعد انتقال إسرائيل إلى استهداف الأراضي الإيرانية بشكل مباشر. ومن هذا المنطلق، ترى طهران نفسها مضطرة للحفاظ على مختلف عناصر قوتها وأدوات الردع، وفي مقدمتها الحلفاء الإقليميون، وعلى رأسهم 'حزب الله'.
في المحصلة، لا يبدو أن الاتفاق الأميركي-الإيراني أنهى الصراع بقدر ما نقل المنطقة إلى مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوى. أما لبنان، فيبقى في قلب هذه التحولات، مترقباً ما ستكشفه الأيام والأسابيع المقبلة من تفاهمات أو مواجهات جديدة. وبين احتمال التوصل إلى تسوية تفتح الباب أمام انسحاب إسرائيلي وعودة الاستقرار، وبين خطر انهيار التفاهمات والعودة إلى التصعيد، يبقى لبنان مرة أخرى ساحةً تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، بانتظار أن تتضح الصورة النهائية للمرحلة المقبلة.











































































