اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٣ أذار ٢٠٢٦
ليس أخطر على العبد من أن يظن أنه يسير إلى الله، وهو في الحقيقة يدور حول نفسه. فالأصل الذي قامت عليه التكاليف كلها أن تكون جسورًا توصِل، لا جدرانًا تفصل؛ وأن تكون وسائل تقرّب، لا غايات تُقصد. العمل في حقيقته ليس مطلوبًا لذاته، بل لما يورثه من معرفة، وما يفتحه من أبواب، وما يرسّخه في القلب من صلة بالله. لكن المأساة تبدأ حين ينقلب الميزان خفيًا: حين يتقدّم العمل في الشعور، ويتراجع المعبود في الوجدان، فيبقى الشكل قائمًا، بينما تغيب الروح التي من أجلها شُرع كل شيء.
العبد يبدأ طريقه غالبًا بالاجتهاد، وهذا مطلوب، بل هو باب الدخول. يجتهد في الصلاة، ويُكثر من الذكر، ويُقبل على الطاعات، ظانًا – بحق – أن هذا هو الطريق. لكن الطريق لا يُختصر في الحركة، ولا يُقاس بكثافة الفعل، بل بوجهته. وهنا يقع الانزلاق الخفي: أن يتحول الاجتهاد من وسيلة إلى غاية، ومن دليل على الطلب إلى موضوع للطلب نفسه. فيفرح العبد بكونه يعمل، أكثر مما يفرح بكونه يُوفَّق للعمل، ويأنس بصور الطاعة، أكثر مما يأنس بحضور القلب مع الله. ومن هنا يبدأ الحجاب… حجابٌ لا يمنعك من العبادة، بل يجعلك مشغولًا بها عن المعبود.
وهنا تتجلّى دقّة التعبير القرآني التي ترسم البوصلة من أول الطريق:
'إياك نعبد وإياك نستعين'.
فقدّم المعبود على العبادة، وذكر المقصود قبل الوسيلة، ليبقى القلب متجهًا إليه أولًا وآخرًا. لم يقل: نعبدك، بل قال: إياك، أي أنت المقصود قبل الفعل، وأنت الغاية قبل الطريق. ثم جاءت العبادة بعد ذلك، تابعةً لهذا التوجّه، لا سابقةً عليه. ثم أُتبعت بالاستعانة، وكأن المعنى: لا عبادة لك إلا بك، ولا وصول إليك إلا بعونك. فإذا اختلّ هذا الترتيب في شعور العبد، فصار يرى العبادة أولًا، والمعبود ثانيًا، فقد انقلب الميزان، وبدأ الحجاب.
وهذا التحول لا يقع دفعة واحدة، بل يتسرّب إلى القلب تسربًا. يبدأ بملاحظة النفس: “أنا صليت، أنا قمت، أنا أنجزت”، ثم يتطوّر إلى مراقبة الأثر: “هل رأى الناس؟ هل قُدِّر جهدي؟ هل ظهرت ثمرتي؟”، ثم ينتهي – إن لم يُتدارك – إلى نوع من الاستقرار على العمل، كأنه أصل قائم بذاته، لا علاقة له بمصدر التوفيق. في هذه اللحظة، يفقد العمل سرّه، ويصير العبد – وهو يعمل – محجوبًا، لأنه لم يعد يرى إلا نفسه في مرآة الطاعة. ولذلك كان أهل البصيرة يخافون من الطاعات أكثر من خوفهم من المعاصي، لا لأن الطاعة مذمومة – حاشا – بل لأن خطرها أدقّ وأخفى. المعصية تُشعرك بالانكسار، وتردّك إلى باب الافتقار، أما الطاعة فقد تُلبسك ثوب الاكتفاء، وتوهمك أنك بلغت. ومن هنا قيل: إن الطاعة إذا أورثت عُجبًا فهي بلاء، لأنك تقف عندها، وتنقطع بها، بدل أن تعبر من خلالها. فالمشكلة ليست في العمل، بل في الوقوف معه، والركون إليه، والنظر إليه باعتباره شيئًا صادرًا منك، لا هبةً ساقها الله إليك.
التوازن الذي يُنقذ العبد من هذا الانحراف هو أن يجمع بين أمرين يبدو بينهما تناقض: أن يعمل بكل طاقته، وأن لا يرى لنفسه عملًا. أن يُحسن الأداء، ويُتقن الفعل، ويجتهد في الطاعة، وفي الوقت نفسه يبقى قلبه شاهدًا على فقره، معترفًا بعجزه، ناظرًا إلى العمل على أنه فضل من الله لا استحقاق له. هذا التوازن هو البوصلة الحقيقية؛ بدونه، قد تتكاثر الأعمال، لكن الاتجاه يضيع، وقد يعلو البناء، لكن الأساس يكون مختلًا. إن أخطر ما في الأمر أن العبد قد يستمر سنوات في هذا المسار دون أن ينتبه. يزداد علمًا، وتكثر أعماله، وتتسع دائرته، لكنه في داخله يبتعد، لأن مركز الحركة لم يعد الله، بل الذات. وهنا يصبح العمل – الذي كان مفروضًا ليُعرّفك بالله – حجابًا يحول بينك وبينه. لا لأن العمل سيئ، بل لأنك وضعت نفسك في موضع لم تُخلق له: موضع المُنعم لا المُنعَم عليه، وموضع الفاعل المستقل لا العبد المفتقر.
الخروج من هذا الحجاب لا يكون بترك العمل، فهذا خطأ آخر، بل بتصحيح النظر إليه. أن تعود فترى العمل على حقيقته: أثرًا من آثار توفيق الله، لا سببًا قائمًا بذاته. وأن تستحضر في كل طاعة أنك لولا عون الله ما قمت بها، ولولا ستره ما قُبلت منك، ولولا فضله ما كان لها وزن. حينها فقط يعود العمل إلى مكانه الطبيعي: جسرًا تعبر به، لا مقامًا تقف عنده. ولهذا، فإن خلاصة الطريق ليست في أن تعمل كثيرًا فحسب، بل في أن تبقى متجهًا وأنت تعمل. أن لا تفقد البوصلة وسط الحركة، ولا يغيب عنك المقصود وأنت تمارس الوسيلة. فإذا بقي القلب متعلقًا بالله، مستندًا إليه، خائفًا من أن يُحجب به عنه، صار العمل نورًا فوق نور.
أما إذا استقر القلب على العمل، واطمأن إليه، ورأى فيه كفايته، انقلب النور حجابًا، والطريق متاهة، والوسيلة قيدًا.

























































