اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٥ نيسان ٢٠٢٦
كتب غسان ريفي في سفير الشمال
رفعت الجلستان التحضيريتان المباشرتان بين لبنان وإسرائيل، منسوب التحدي أمام السلطة اللبنانية بدل أن تفتحا بابًا للحلول، فبدل أن يشكّل هذا المسار مدخلًا لتحقيق مكاسب سيادية، بدا وكأن لبنان دخل المفاوضات مكبّلًا، مقدمًا تنازلات مسبقة من دون أي مقابل يُذكر.
أسقطت نتائج الجلستين موجة التفاؤل المفرط التي روّجت لها بعض الجهات السياسية والإعلامية، والتي صوّرت التفاوض المباشر كفرصة تاريخية لتحقيق اختراق سريع.
إلا أن الوقائع أظهرت أن إسرائيل استثمرت هذه اللقاءات في سياق دعائي داخلي، محاولةً تكريس صورة مفادها أنها نجحت في جرّ لبنان إلى طاولة التفاوض تحت ضغط القوة، بما يشبه فرض الاستسلام السياسي.
عمليًا، لم يحصد لبنان من هذا المسار سوى “هدنة كاذبة”، تسمح لإسرائيل بتحقيق ما عجزت عنه ميدانيًا خلال الحرب. في المقابل، بدا لبنان وكأنه يراهن على وعود بلا أساس، أشبه بمن “يشتري سمكًا في بحر ميت”.
أولى الإشكاليات الجوهرية تمثلت في الورقة التي أصدرتها وزارة الخارجية الأميركية، والتي تضمنت ما يشبه اتفاق إطار لم يُعرض على المؤسسات الدستورية اللبنانية المعنية، ولم يخضع لأي نقاش داخلي.
هذه الورقة، بحسب مضمونها، لا تكتفي بتجاوز الأصول الدستورية، بل تتضمن بنودًا تمس جوهر السيادة اللبنانية، سواء عبر الإيحاء بالاعتراف بإسرائيل أو عبر منحها حقًا مفتوحًا في “الدفاع عن النفس” داخل الأراضي اللبنانية.
الأخطر من ذلك، أن هذا الإطار يضع الدولة اللبنانية في موقع المنفذ لمتطلبات أمنية إسرائيلية، وعلى رأسها مسألة نزع سلاح حزب الله، وهو الهدف الذي لم تتمكن إسرائيل من تحقيقه عسكريًا، ما يحوّل التفاوض من وسيلة لحماية المصالح الوطنية إلى أداة لفرض أجندة العدو.
وفي هذا الإطار بدا واضحا، أن الهدنة المعلنة لم تبدّل من الواقع الميداني شيئًا يُذكر، إذ استمرت الاعتداءات الإسرائيلية من قتل وتدمير وتوغلات، في سياق واضح لإنشاء منطقة عازلة بالقوة.
أما الجلسة التفاوضية الثانية، فقد شكّلت، في نظر كثيرين، محطة إضافية لتكريس اختلال موازين التفاوض، حيث جرى تثبيت معادلة تمنح إسرائيل حرية الحركة العسكرية تحت عنوان “الدفاع المشروع”، ولكن “بحذر” تُرجم سريعًا بغارات دامية على الجنوب اللبناني أسفرت عن ارتقاء ست شهداء وجرح آخرين فضلا عن استمرار التدمير الممنهج للقرى في ظل صمت لبناني رسمي وسيادي قاتل.
في موازاة ذلك، استغل دونالد ترامب حضوره في الجلسة الثانية لطرح تصور سياسي يتجاوز الإطار الأمني، عبر الدفع نحو تطبيع تدريجي يبدأ بإلغاء قانون العداء لإسرائيل، وصولًا إلى التمهيد للقاء مباشر بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، خلال مهلة الهدنة الجديدة التي يُفترض أن تمتد لثلاثة أسابيع.
هذا السلوك الأميركي أثار تساؤلات جدية حول طبيعة الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في هذه المفاوضات، إذ بدا أقرب إلى طرف منحاز يسعى لفرض شروط إسرائيل، لا إلى راعٍ نزيه لعملية تفاوضية متوازنة.
وفي ظل هذا المشهد، بدا الموقف الداخلي اللبناني مرتبكًا، حيث غابت ردود الفعل الحازمة، وبرزت محاولات لتبرير المسار القائم تحت عناوين “الواقعية السياسية” أو “المصلحة الوطنية”.
في القراءة المتأنية لمجريات التفاوض تشير إلى أن المطالب اللبنانية لم تحظَ بأي وزن فعلي على طاولة البيت الأبيض الذي يدفع بدوره لبنان تدريجيًا نحو خيارات مكلفة: هدنة لا توقف الاعتداءات، وضغوط للتطبيع دون انسحاب إسرائيلي، ومحاولات لإثارة انقسامات داخلية تخدم الأهداف الإسرائيلية.
لا شك في أن مسار التفاوض المباشر، بصيغته الحالية، يحمل في طياته مخاطر استراتيجية، إذ قد يتحول إلى بوابة لشرعنة الاحتلال بدل إنهائه، ولتطبيع غير متكافئ بدل تحقيق سلام عادل. وهو ما يتناقض مع الثوابت العربية، وفي مقدمتها مبدأ “الأرض مقابل السلام”، ليحل مكانه واقع أكثر خطورة: “التنازل مقابل استمرار الاعتداءات”.
يمكن القول، إن عنوان هذا المسار واضح منذ بدايته، لكن نتائجه قد تكون أكثر كلفة مما يتصوّر بعض المندفعين، ما لم يُعاد النظر فيه بجدية، وتُستعاد الأولويات الوطنية القائمة على حماية السيادة ورفض الإملاءات، مهما اشتدت الضغوط.











































































