اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦
التعلم من جديد
ويبدأ «ميدل إيست آي» تقريره بقصة هبة العطار، البالغة 13 عامًا، التي تضطر إلى قطع مسافة طويلة سيرًا عبر طرق ترابية ومناطق نزوح للوصول إلى مركز تابع لـجمعية الحق في الحياة في الزوايدة وسط قطاع غزة. وهناك، داخل خيمة مؤقتة مقسمة إلى فصلين، تجلس هبة إلى جانب أطفال آخرين من ذوي متلازمة داون، في محاولة للعودة إلى التعليم واستعادة المهارات التي تراجعت خلال الحرب.
ويشير التقرير إلى أن رحلة هبة اليومية إلى هذا المكان تختصر جانبًا من واقع الأطفال ذوي الإعاقة في غزة، الذين فقدوا المؤسسات المتخصصة التي كانت توفر لهم بيئة تعليمية وتأهيلية منتظمة، وأصبحوا يتلقون الخدمات داخل خيام وفي ظروف تفتقر إلى كثير من الاحتياجات الأساسية للعملية التعليمية.
وقبل اندلاع الحرب، كانت هبة قد قطعت، بحسب التقرير، شوطًا مهمًا في رحلة التعلم والتأهيل، إذ تمكنت بحلول سن العاشرة من تطوير مهارات أساسية في الفهم والكلام والنظافة الشخصية، كما بدأت تعلم القراءة والكتابة. وينقل 'ميدل إيست آي' عن والدها علاء العطار أنه كان قد لمس تغيرًا واضحًا في قدرات ابنته بعد التحاقها بالجمعية، بعدما أصبحت أكثر قدرة على التواصل والتعامل مع احتياجاتها اليومية، إلا أن الحرب قطعت هذا المسار، وأدت ظروف النزوح والخوف وعدم الاستقرار إلى فقدان جانب من المهارات والاهتمامات والروتين الذي كانت قد اكتسبته، لتجد الأسرة نفسها أمام مهمة إعادة تدريب طفلتها على أمور كانت قد تعلمتها في السابق.
ويشير التقرير إلى أن جمعية الحق في الحياة كانت قبل الحرب من المؤسسات الرئيسية التي تقدم خدمات متخصصة للأطفال من ذوي متلازمة داون والتوحد في قطاع غزة، إذ تأسست عام 1993، وكانت تدير ثلاثة مرافق وتوظف نحو 200 شخص، فيما شملت خدماتها التدخل المبكر والتعليم وبرامج التأهيل والدعم النفسي للأطفال وأولياء أمورهم. غير أن الحرب ألحقت أضرارًا واسعة بمرافق الجمعية ودمرت مراكزها، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الخدمات التي كانت تعتمد عليها العائلات، بينما وجد الأطفال أنفسهم فجأة خارج البيئة التعليمية والتأهيلية التي اعتادوا عليها، وفي مواجهة واقع من النزوح المتكرر والخوف والقصف وفقدان الاستقرار.
تستيقظ ليلًا مذعورة
ولا يربط «ميدل إيست آي» الانتكاسات التي أصابت الأطفال بالدمار المادي وحده، بل ينقل عن رؤوفة سلامة، مديرة برامج التأهيل في الجمعية، أن الصدمات النفسية الناجمة عن الحرب انعكست بصورة مباشرة على قدرات الأطفال، وأدت إلى تراجع في مهارات أساسية مثل التواصل والنظافة الشخصية.
وتوضح الشهادات التي جمعها التقرير من أسر الأطفال كيف يمكن للخوف المستمر وتغيير المكان والابتعاد عن الروتين المعتاد أن يؤثر في المهارات التي اكتسبها الأطفال بعد سنوات من التدريب، إذ لم يعد بعضهم قادرًا على أداء أمور يومية كان يؤديها بصورة مستقلة قبل الحرب.
ومن بين الحالات التي يوثقها التقرير قصة سجى عبد ربه، البالغة 13 عامًا، التي تقول والدتها نبيلة عبد ربه إن ابنتها كانت تدخل في حالة من الخوف الشديد مع كل انفجار، فتضع يديها على أذنيها وتركض نحو والدتها بحثًا عن الأمان.
ووفق ما نقلته الأم لـ'ميدل إيست آي'، أدى الخوف المستمر والظروف القاسية التي عاشتها الأسرة خلال النزوح إلى تراجع مهارات كانت سجى قد اكتسبتها، ومن بينها قدرتها على استخدام المرحاض، الأمر الذي دفع الأسرة إلى استخدام الحفاضات معها في فترة كان فيها الحصول على هذه المستلزمات صعبًا أصلًا بسبب ظروف الحرب ونقص الاحتياجات الأساسية.
ويرصد التقرير أيضًا حالة فاطمة سلطان، البالغة 14 عامًا، التي يقول والدها بهجت سلطان إن الحرب والنزوح أثرا بصورة واضحة في سلوكها وقدرتها على التعبير عن مشاعرها، بعدما بدأت تظهر لديها سلوكيات عدوانية لم تكن موجودة بالشكل نفسه قبل الحرب. كما عانت فاطمة، بحسب والدها، اضطرابات في النوم وكانت تستيقظ ليلًا مذعورة وتبكي بسبب الكوابيس، وهي أعراض يضعها التقرير في سياق الظروف النفسية القاسية التي عاشها الأطفال خلال القصف والنزوح وفقدان البيئة التعليمية والاجتماعية التي اعتادوا عليها.
وفي محاولة لمواجهة هذه التداعيات، بدأت جمعية الحق في الحياة استئناف خدماتها في يوليو/تموز 2024، وفق ما أورده «ميدل إيست آي»، بعدما ركزت في البداية على تقديم الدعم النفسي للأطفال وأولياء أمورهم ومساعدتهم على استعادة المهارات التي فقدوها خلال الحرب. وبدأت الجمعية بأنشطة ترفيهية وزيارات منزلية، قبل أن تتوسع برامجها لتشمل التدخل المبكر والتعليم والتأهيل، في محاولة لإعادة الأطفال تدريجيًا إلى مسار التعلم والتدريب، ومساعدتهم على استعادة مهارات الحياة اليومية التي تراجعت خلال فترة النزوح والاضطراب.
استعادة الروتين
لكن استئناف العمل لم يحدث داخل المراكز التي اعتاد الأطفال الذهاب إليها قبل الحرب، إذ أصبحت الجمعية تقدم خدماتها، بحسب التقرير، إلى أكثر من ألف طفل من ذوي متلازمة داون والتوحد داخل خيام مؤقتة موزعة على ثلاثة مواقع في قطاع غزة. ويشير «ميدل إيست آي» إلى أن نقص المعدات والوسائل التعليمية المتخصصة يفرض على العاملين ابتكار أدوات بديلة من المواد المتاحة، حتى إن المعلمين اضطروا إلى صناعة بعض الوسائل التعليمية باستخدام الكرتون الذي يصل مع طرود المساعدات والورق الملون، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من البيئة اللازمة لاستمرار التعليم والتأهيل.
وتظهر عودة الأطفال إلى الجمعية أهمية هذه الخدمات بالنسبة إليهم، إذ ينقل التقرير عن والدة سجى أنها حاولت إلحاق ابنتها بعدد من المدارس، إلا أن الأسرة واجهت الرفض بسبب حالتها، قبل أن تحصل على فرصة لإعادتها إلى برامج جمعية الحق في الحياة. وبحسب والدتها، شعرت سجى بسعادة كبيرة عندما تمكنت من العودة إلى المكان الذي اعتادت اعتباره مدرستها، والتقت بأطفال تعرفهم واستأنفت عملية التعلم، وهو ما يعكس، وفق سياق التقرير، أن إعادة التأهيل بالنسبة للأطفال من ذوي متلازمة داون لا تتعلق فقط بتعليم القراءة والكتابة، وإنما باستعادة الروتين والعلاقات الاجتماعية ومهارات التواصل والقدرة على الاعتماد على النفس.
وتحذر رؤوفة سلامة، وفق ما أورده «ميدل إيست آي»، من أن استمرار الحرب والتهديدات والنزوح يجعل عملية إعادة التأهيل شديدة الصعوبة، لأن الطفل الذي يبدأ باستعادة مهارة معينة يمكن أن يتعرض من جديد لصدمة نفسية نتيجة القصف أو النزوح أو فقدان أحد الأشخاص المقربين، بما يؤدي إلى تراجع جديد في قدراته. ولذلك، فإن عملية التأهيل لا تسير في خط مستقيم، وإنما تواجه انتكاسات متكررة مرتبطة بالظروف التي يعيشها الأطفال وأسرهم، الأمر الذي يجعل الحفاظ على الاستقرار أحد أهم شروط نجاح البرامج التعليمية والتأهيلية.
ورغم ذلك، يواصل الأطفال وأسرهم المشاركة في برامج الجمعية، فيما بدأ بعضهم بالفعل في استعادة جانب من المهارات التي فقدوها خلال الحرب. ووفق تقرير «ميدل إيست آي»، تشمل هذه المهارات التواصل والنظافة الشخصية والقراءة والكتابة، إلى جانب تعلم كيفية التعرف إلى المخاطر وتجنبها، بينما تحاول الجمعية توفير مساحة للأطفال لاستعادة قدراتهم تدريجيًا في ظل ظروف شديدة الصعوبة.
مهمة شاقة لاستعادة ما فقدوه
وتعود هبة العطار في نهاية التقرير إلى خيمتها التعليمية، بعدما كانت الحرب قد قطعت المسار الذي بدأته قبل سنوات، لتستعيد جزءًا من روتينها اليومي وتعود إلى التعلم من جديد. ويقول والدها، بحسب «ميدل إيست آي»، إن عودتها إلى الجمعية انعكست على سعادتها وتركيزها، في صورة تختصر مسار مئات الأطفال الذين لا يحاولون فقط مواصلة التعليم وسط الحرب، وإنما يحاولون أيضًا استعادة مهارات يومية فقدوها بعدما دمرت الحرب البيئة التي احتضنت رحلة تأهيلهم لسنوات.
ويكشف تقرير «ميدل إيست آي» بذلك جانبًا من آثار الحرب لا يظهر دائمًا في أرقام الضحايا والدمار، إذ إن تدمير مراكز الرعاية والتأهيل لا يعني فقدان المباني والمعدات فقط، وإنما يعني أيضًا تعطيل مسارات تعليمية وتأهيلية استغرقت سنوات، وترك الأطفال الذين يعتمدون عليها أمام مهمة شاقة لاستعادة ما فقدوه. وبينما تحاول جمعية الحق في الحياة إعادة تشغيل برامجها داخل خيام مؤقتة وبإمكانات محدودة، يبقى استمرار النزوح والخوف والتهديدات عاملًا يهدد قدرة الأطفال على الحفاظ على المهارات التي بدأوا باستعادتها.

























































