اخبار سوريا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
تزايد الاحتجاجات المطالبة باستعادة الأراضي يثير مخاوف استمرار التغير الديموغرافي
ترزح سوريا تحت تركة ثقيلة متمثلة في قرارات حكومية قضت بالاستيلاء على أراضي وممتلكات سوريين أدت إلى فقدان الملاكين ملايين الدونمات من الأراضي إضافة إلى عقارات تحولت إلى منشآت ومؤسسات جراء قرارات وتشريعات وقوانين أصدرتها الدولة لأهداف سياسية وخدمية واقتصادية تبنتها الدولة على مدى عهود وعقود مختلفة.
بدت تظهر نتائج هذه السياسات بعد سقوط نظام بشار الأسد من خلال مطالبة الملاكين الأصليين بأراضيهم وعقاراتهم التي استولت عليها الدولة، بعض هذه المطالبات كانت سارية وقضية مفتوحة دون حسم أو تعويض من الدولة أو حتى الاعتراف بها في حين أن قضايا أخرى بدأت تدخل حيز التعامل والحل من خلال استقبال الشكاوى.
في ريف دمشق وبعد سقوط النظام ومع بدء رفع العقوبات أعلن عن عدد من المشاريع الاستثمارية في ضاحية قدسيا، وكذلك في مطار المزة العسكري الذي تمتد مساحته على أراض تابعة لأهالي المعضمية حيث أنشِئ أساساً من قبل الانتداب الفرنسي ثم استولت الحكومة السورية في منتصف القرن الماضي على مساحات أخرى وأنشئ عليها ثكنات ومؤسسات عسكرية.
في قدسيا خرج السكان في وقفات احتجاجية مطالبين برفع قرار الاستملاك أو تعويضهم، وقال مدير المؤسسة العامة للإسكان تمام الدبل، في مقابلة مع الإخبارية السورية على إثر الاحتجاجات الشهر الماضي، إن استراتيجية وزارة الأشغال العامة والإسكان تتجه إلى فتح باب التقديم مجدداً لتعويض المواطنين الذين لم يحصلوا على البدل العيني لقاء أراضيهم المستملكة.
وأضاف الدبل أن هذا البديل 'يتمثل بمساحات طابقية تمنح لأصحاب الأراضي المستملكة'، موضحاً أن قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983 حدد البدل النقدي بقيمة العقار قبل صدور مرسوم الاستملاك مباشرة، مشيراً إلى وجود فجوة كبيرة بين قيمة العقارات التي استملكت قبل عشرات السنين وقيمتها الحالية، نتيجة التوسع العمراني وارتفاع سعر المتر المربع.
وأوضح مدير المؤسسة الحكومية أن باب تقديم طلبات البدل العيني 'فتح بين عامي 1997 و2008، واستقبل خلال هذه الفترة نحو 3905 طلبات، عولج منها 730 طلباً، فيما حصل معظم الطلبات المعالجة على مساحات طابقية للمستحقين'.
وفي تصريح سابق قال محمد العبدالله، المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، حول مطار المزة العسكري لـ'اندبندنت عربية'، إنه على الحكومة إنشاء آلية لاسترداد الملكيات العقارية لتنظر في النزاعات العقارية وتبت فيها، ومن الواجب الإشارة هنا إلى أن المطالبة بالملكيات العقارية تنحصر بالاستملاكات والاستحواذ غير القانوني على العقارات الذي حصل في الأعوام الأخيرة، مشدداً على أن مطالب الناس محقة ويجب على الحكومة إصدار آلية أو إنشاء آلية لاسترداد الملكيات العقارية لأصحابها.
قد يبدو هذا الجانب أقل جدلاً وسهل التعاطي والحل مقارنة بتبعات قوانين الإصلاح الزراعي والاستيلاء ونقل السكان من منطقة إلى أخرى وتداخلها مع القضية الكردية في سوريا، فقد عمدت الحكومة السورية عام 1958 إلى إصدار قانون الإصلاح الزراعي على مستوى البلاد وبموجبه جرى نزع ملكية الأراضي من أصحابها بداعي إنهاء الإقطاع في البلاد كهدف معلن وتحديد الحد الأعلى للملكية الفردية لإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين وصغار المزارعين، إضافة إلى الحد من تصرف المالكين الأصليين في الأراضي ثم عدل القانون في مراحل عدة، حيث عُدّل القانون عام 1962 لرفع السقف قليلاً، ثم أتى حزب 'البعث' بعد مارس (آذار) 1963 وأصدر المرسوم التشريعي رقم 88 لعام 1963 الذي خفّض الحد الأعلى للملكيات بصورة حادة وجعل الاستيلاء أكثر شمولاً.
وصدر قانون الاستملاك رقم 20 للعام 1974 الذي استمر العمل به لغاية العام 1983، حين استُبدِلَ بالقانون رقم 20 للعام 1983 وهو القانون الوحيد المعمول به في تنظيم عمليات الاستيلاء في سوريا، وعرّف الاستملاك بأنه 'نزع الملكية للمنفعة العامة من طريق إجراء إداري يقصد به نزع مال عقاري قهراً عن مالكه بواسطة الإدارة لتخصيصه للنفع العام مقابل تعويض يدفع له'، وحدّد أركانه بأن ينصب على عقار مبنيّ أو غير مبني، وأن يكون نزع الملكية جبراً، ويجب أن يكون الاستملاك للمنفعة العامة، ومقابل تعويض أصحاب العقارات المستملكة.
وأصدر النظام السوري عدداً من القوانين والمراسيم والقرارات بعد عام 2011 جرى على إثرها الاستيلاء على أملاك السوريين المعارضين حيث كانت تبت لجان أمنية في المحافظات السورية في ذلك ومن خلالها جرى تجريدهم وحرمانهم من ممتلكاتهم بتهمة الإرهاب.
تشير الأرقام في المصادر السورية إلى أن المساحة الإجمالية المستولى عليه تُقدر بنحو 1.5 مليون هكتار (ما يعادل 15000 كيلومتر مربع)، وهو ما يشكّل حوالى 20 في المئة إلى 25 في المئة من إجمال الأراضي القابلة للزراعة في سوريا، وتم توزيع ما يقارب 800 ألف إلى 900 ألف هكتار منها على صغار الفلاحين والمنتفعين في حين احتفظت الدولة بالمساحات المتبقية من أراضٍ بعلية أو خافقة أو مخصصة لمشاريع الدولة والجمعيات الإنتاجية والمؤسسات العامة وتم تسجيلها باسم أملاك الدولة الخاصة.
لكن تعد محافظة الحسكة أكثر المحافظات السورية تأثراً بقوانين 'الإصلاح الزراعي' والاستيلاء، نظراً إلى كبر الملكيات الزراعية السائدة فيها قبل عام 1958، حيث تقدر المساحة الإجمالية للأراضي التي تم الاستيلاء عليها في محافظة الحسكة بموجب قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958 وتعديلاته بما يعادل 4.5 إلى 5 ملايين دونم وتشكل هذه المساحة أكثر من ثلث إجمالي الأراضي المستولى عليها في كامل سوريا.
وجرى توزيع قسم منها على فلاحي ومزارعي المنطقة بينما وزع قسم آخر عام 1974 على عائلات عربية قدر عددها بـ4 آلاف عائلة استقدمت من ريفي الرقة وقسم أقل من حلب وهم من يعرفون باسم 'عرب الغمر' أي العائلات العربية التي غمرت المياه أراضيها وقراها جراء إنشاء سد الفرات في سبعينيات القرن الماضي، ووزعت هذه العائلات بإشراف من الحكومة السورية وتشكيلات حزب 'البعث العربي الاشتراكي' الحاكم وقتها في 41 قرية نموذجية في المناطق الكردية من المحافظة وعلى طول الخط الحدودي مع تركيا ومنحت أراض زراعية امتدت من غرب مدينة سري كانيه (رأس العين) وصولاً إلى مساحة إجمالية تقدر بنحو 3 ملايين دونم من الأراضي الزراعية الخصبة في ما يعرف بخط العشرة، بحسب مصادر كردية.
يعرف هذا المشروع في الأوساط السياسية الكردية بالحزام العربي الذي يبلغ طوله نحو 275 كيلومتراً وبعرض يراوح ما بين 10 و15 كيلومتراً بمحاذاة الحدود مع تركيا، وكان هدفه، بحسب الحركة السياسية الكردية، إحداث تغيير ديموغرافي استند أساساً إلى مشروع ودراسة قدمهما ضابط أمني يدعى محمد طلب هلال أوصى بموجبهما الحكومة في ستينيات القرن الماضي باعتماد جملة من السياسات لمواجهة الوجود الكردي المتصل مع أقرانهم في تركيا من خلال خطوات عزل وإفقار وتهجير وتغير بنية المنطقة واعتبارهم رباء في البلاد وكان من بين تلك المقترحات الأمنية جلب جموع عربية من خارج المنطقة ومساعدتهم على التثبت فيها من خلال إسكانهم وتأمين مصادر العيش من خلال توزيع الأراضي الزراعية عليهم.
إلى جانب المطالب السياسية من الأحزاب الكردية لإلغاء هذه السياسيات على مدى العقود الماضية، ارتفع صوت عائلات كردية وأصحاب الأراضي المستولى عليها بعد سقوط النظام مطالبين باستعادة ممتلكاتهم وإخراج السكان 'الغمر' منها، وحذروا من خلال بيانات نشروها من حراثة أرضهم مجدداً أو شرائها من قبل آخرين أو التصرف بها، مطالبين في الوقت نفسه الحكومة الانتقالية بإعادة ملكيتها لهم وهو ما يثير القلق لدى كثير من الأوساط بتوتر الأوضاع، لا سيما أن الحكومة السورية لم تبت في الملف أو تشكل أي فريق حتى الآن لمتابعة القضية المعقدة وذات الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية المتعددة المستويات على عكس التعامل مع ملف الاستملاك في مناطق الداخل السوري، الذي جرى من خلال لجان تنظر في تعويض المتضررين ومنحهم تعويضات مالية أو عينية.




































































