اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
قرأت مقال المحامي محمد الصبيحي المنشور في موقع عمون بتاريخ 13 تشرين الأول 2026، تحت عنوان «القطامين… المسافة بين الأقوال والأفعال»، والذي تناول فيه أداء وزير النقل الدكتور نضال القطامين، منتقداً الفجوة بين ما طرحه من أفكار وحلول لأزمة المرور قبل توليه الوزارة، وما تحقق منها على أرض الواقع.
ومع احترامي لرأي الكاتب، فإنني أعتقد أن بعض الكتّاب الأردنيين ما زالوا ينظرون إلى تغيير الوزير وكأنه عصا سحرية قادرة على حل المشكلات المتراكمة، خصوصاً إذا كان الوزير يحمل مؤهلات علمية رفيعة وخبرة تخصصية في مجال عمله. والحقيقة أن أزمة المرور في عمّان أكبر بكثير من وزير، وأعمق من أن تُحل بتغيير الأشخاص أو حتى بتحسين إدارة حركة السير.
فالمشكلة الأساسية، في تقديري، ليست مرورية بقدر ما هي أزمة تخطيط عمراني تراكمت على مدى عقود، نتيجة سوء التخطيط، أو لنقل بصورة أدق، غياب التخطيط الحضري المتكامل الذي يواكب تطور المدن الحديثة.
وقد تناولت هذه القضية بالتفصيل قبل أكثر من عشر سنوات، في مقال نشرته صحيفة الرأي الأردنية بتاريخ 4 نيسان 2016، تحت عنوان «الفوضى العارمة في التنظيم وأثرها في حركة السير»، حيث أوضحت أن الاختناقات المرورية ليست سوى إحدى النتائج المباشرة للفوضى في التنظيم العمراني واستعمالات الأراضي.
وذكرت آنذاك أننا ما زلنا نبني مدننا وكأننا نعيش قبل مئة عام؛ شوارع ضيقة، وعلى جانبيها محلات تجارية ومبانٍ سكنية، ومداخل ومخارج عشوائية، دون الفصل المدروس بين الأنشطة التجارية والسكنية والخدمية، ودون مراعاة كافية لمتطلبات الحركة المرورية ومواقف السيارات والنقل العام والتوسع المستقبلي.
وفي الوقت الذي تطورت فيه المدن الحديثة وفق أسس علمية متخصصة في التخطيط الحضري، أو ما يُعرف بعلم تخطيط المدن (Urban Planning)، ظل التخطيط في الأردن، في كثير من مراحله، أقرب إلى أعمال التنظيم الهندسي التقليدي، التي كان يتولاها مهندسون مدنيون دون الاستعانة الكافية بالخبرات المتخصصة في التخطيط الحضري الشامل.
وهنا لا أنتقص من دور المهندس المدني، بل أؤكد أن تخطيط المدن أصبح علماً مستقلاً ومتعدد التخصصات، يجمع بين الهندسة المعمارية والنقل والاقتصاد والبيئة والديموغرافيا واستعمالات الأراضي، ولا يمكن اختزاله في رسم الشوارع وتقسيم قطع الأراضي وإصدار تراخيص البناء.
ولعل من المهم أن ندرك أن الازدحام المروري ليس ظاهرة أردنية خالصة، بل تعاني منه مدن عالمية كبرى، ومنها تورنتو الكندية، حيث يُعد الازدحام المروري من أبرز مصادر الإزعاج اليومي للسكان، رغم ما تتمتع به المدينة من بنية تحتية متقدمة وشبكات طرق سريعة ووسائل نقل عام متعددة.
وهذا يؤكد حقيقة مهمة، وهي أن الازدحام المروري لا يمكن القضاء عليه نهائياً في المدن الكبرى، ولكن يمكن الحد من آثاره وإدارته بكفاءة من خلال التخطيط السليم والنقل العام المتطور وتوزيع الأنشطة الاقتصادية والسكانية بصورة متوازنة.
أما في عمّان، فإننا نطالب وزير النقل بحل أزمة نشأت أصلاً من قرارات تنظيمية وعمرانية اتُّخذت على مدى عقود، وتتداخل فيها مسؤوليات أمانة عمّان ووزارات الإدارة المحلية والأشغال العامة والنقل والجهات المسؤولة عن تنظيم استعمالات الأراضي.
فكيف نحمّل وزير النقل وحده مسؤولية شوارع ضيقة لا يمكن توسيعها بسهولة، أو مناطق سكنية تحولت إلى مراكز تجارية، أو مبانٍ أُنشئت دون توفير مواقف كافية، أو أحياء توسعت دون دراسة علمية لشبكات الطرق والخدمات والنقل العام؟
إن تنظيم وقوف حافلات الكوستر، وضبط المخالفات، وتحسين الإشارات المرورية، وإعادة توزيع المسارب، كلها إجراءات ضرورية ومطلوبة، لكنها تبقى حلولاً تشغيلية محدودة، لا تعالج الجذور الحقيقية للمشكلة.
وإذا كنا جادين في معالجة أزمة المرور، فعلينا أن ننتقل من التفكير في توسيع الشوارع إلى التفكير في كيفية بناء المدن.
فالأردن بحاجة إلى رؤية وطنية جديدة لإنشاء مدن حديثة ومناطق عمرانية متكاملة خارج نطاق الاكتظاظ القائم، تعتمد على أحدث مبادئ التخطيط الحضري، بحيث تتوافر فيها المرافق التعليمية والصحية والتجارية والخدمية وفرص العمل، إلى جانب شبكات نقل عام فعالة، ومساحات خضراء، وشوارع مصممة وفق أحجام الحركة المتوقعة لعقود مقبلة.
وهذه المهمة لا ينبغي أن تُترك للاجتهادات المحلية التقليدية، بل تستدعي الاستعانة بشركات استشارية عالمية متخصصة في تخطيط المدن الحديثة، لديها الخبرة في إعداد المخططات الهيكلية الشاملة (Master Plans)، ودراسات استعمالات الأراضي، والنقل الحضري المستدام، والنمو السكاني والاقتصادي المستقبلي، بالتعاون مع الكفاءات الأردنية.
كما أن إنشاء مدن جديدة لا يعني إهمال عمّان أو التخلي عن تطويرها، بل يتطلب مسارين متوازيين: تحسين إدارة الحركة المرورية والبنية التحتية في المدينة القائمة، والتخطيط لتجمعات حضرية جديدة قادرة على استيعاب النمو السكاني والاستثماري بعيداً عن الضغط المتزايد على العاصمة.
لقد مضى أكثر من عقد على المقال الذي كتبته عام 2016، وما زلنا نناقش المشكلات ذاتها، ونبحث عن الحلول لدى الوزراء المتعاقبين، بينما تستمر الأسباب الهيكلية التي أنتجت الأزمة دون معالجة جذرية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا لم ينجح الوزير في حل أزمة المرور؟ بل: لماذا لم ننجح، حتى اليوم، في وضع سياسة وطنية طويلة الأمد للتخطيط العمراني وإنشاء مدن حديثة تستوعب احتياجات الأجيال القادمة؟
إن الوزير، مهما بلغت كفاءته العلمية والإدارية، لا يستطيع بمفرده إصلاح نتائج عقود من التخطيط غير المتكامل. والمطلوب ليس إعفاء المسؤولين من المساءلة، بل توجيه المساءلة إلى المؤسسات والسياسات والقرارات التي صنعت المشكلة، ووضع أهداف واقعية قابلة للقياس والمحاسبة.
فأزمة المرور في عمّان ليست أزمة وزير يأتي أو وزير يرحل، وإنما أزمة مدينة توسعت عمرانياً دون أن يتطور تخطيطها بالقدر الذي يواكب هذا التوسع.
وما لم نغيّر طريقة تفكيرنا في تخطيط المدن، فسنبقى نغيّر الوزراء، ونضيف الإشارات والكاميرات والجسور والأنفاق، ثم نعود بعد سنوات لنطرح السؤال نفسه: لماذا لا تزال شوارع عمّان مكتظة؟
المشكلة ليست فيمن يدير حركة السير اليوم، بل فيمن خطط للمدينة بالأمس، وفي الكيفية التي سنخطط بها لمدن الغد.
ولهذا، فإنني أدعو نقابة المهندسين الأردنيين، بالتعاون مع الجهات الحكومية ذات العلاقة، إلى تبنّي مبادرة وطنية لعقد مؤتمر وطني شامل للتخطيط الحضري، بمشاركة الخبراء والمختصين من الأردن والخارج، بهدف مراجعة واقع التخطيط العمراني في المملكة، ووضع رؤية استراتيجية حديثة ومستدامة لتطوير مدننا وإنشاء مدن جديدة وفق أحدث المعايير العالمية، على أن تترجم توصيات المؤتمر إلى سياسات وخطط تنفيذية واضحة.
وليكن هذا المؤتمر نقطة انطلاق حقيقية نحو مستقبل عمراني أفضل لمدننا الأردنية، فالأوطان لا تُبنى بحلول مؤقتة لأزمات اليوم، بل برؤية علمية تستشرف احتياجات الأجيال القادمة.

























































