اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
أتابع ملف المحميات الطبيعية في لبنان منذ سنوات. رأيت غابات تستعيد عافيتها، وأنواعاً تعود إلى موائلها، وقرى تتبنّى إرثها الطبيعي وتفخر به. لكنني رأيت أيضاً، عاماً بعد عام، كيف تحوّلت الحدود الضبابية للمحميات إلى ساحة لكل أنواع النزاعات. ومن هذه المتابعة أكتب اليوم، بعدما اتخذ النقاش حول خرائط المحميات منحى لا يخدم الطبيعة ولا الحقيقة بشيء.
أبدأ بحقيقة بسيطة. القوانين التي أنشأت محمياتنا قبل العام 2014 رسمت حدودها بالكلمات فقط، دون تحديد فعليّ، أي شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. حمت المشاعات وأملاك الدولة الواقعة ضمن هذه الحدود، ولكنها لم تُرفق يوماً بخرائط عقارية دقيقة. وما يسمّيه كثيرون اليوم مساحة المحمية يستند في الغالب إلى وثائق تنظيمية بمقياس صغير، تختصر المحمية في دائرة.
والغابة لا تُدار بدائرة. فلجنة المحمية تحتاج أن تعرف، عقاراً عقاراً وبشكل عالي الدقة، أين تبدأ الحماية وأين تنتهي. من دون ذلك، لا تستطيع تسطير مخالفة، ولا وقف ورشة، ولا الدفاع عن المحمية أمام القضاء. الضبابية لا تحمي أحداً، بل تخدم من يريد استغلال الأرض.
في الشوف مثلاً، يميّز القانون 532 لعام 1996 بين منطقة حماية ومنطقة حزامية تغلب عليها الأملاك الخاصة وتخضع لشروط أكثر مرونة. ويجب أيضاً التمييز بين المحمية كما حدّدها القانون، والنطاق الواسع الذي صنّفته الأونيسكو محمية للمحيط الحيوي عام 2005. هذا التصنيف مكسب كبير، لكنه لا يغيّر الحدود القانونية للمحمية ولا طبيعة الملكيات المحيطة بها، كما أكدت لجنة المحمية نفسها. الخلط بين الأمرين ينتج أرقام خسائر ليست خسائر.
لا أنكر الصعوبات أبدا. ففي عين دارة على سبيل المثال، ابتلعت المقالع والكسارات على مدى عقود أراضي عامة، والحدود المقترحة تلامس عقارات مشاعية مجاورة. والخيارات معروفة: إما ضم الأملاك الخاصة، وهذا يفرض على الدولة استملاكها وتعويض أصحابها، وإما التوافق مع البلدية والمعنيين على حدود ثابتة وعلى وضع المنطقة. لكن استملاك ملايين الأمتار المربعة ليس قرار وزارة بمفردها، بل قرار حكومة، بموازنة.
لهذا تحديداً، يستحق العمل الذي باشرته وزارة البيئة أفضل من الشعارات. تثبيت حدود عقارية واضحة وقابلة للتطبيق يعني إعطاء اللجان الأداة التي تفتقدها منذ ثلاثين عاماً، وهي الأداة التي طالبت بها اللجان نفسها. يمكن لهذا العمل، بل يجب، أن يُناقش محميةً محمية، مع اللجان والبلديات والخبراء. لكن النقاش يكون بالوثائق والخرائط، لا بالاتهامات.
تابعتُ عمل وزيرة البيئة تمارا الزين في هذا الملف وفي غيره. يمكن مناقشة كل خط على كل خريطة. لكن لا يمكن، بأي جدية، تصوير وزيرة أعادت المساهمات المالية للمحميات إلى الموازنة بعد غياب تجاوز عشر سنوات، وأقرّت مرسوم المحميات الصغيرة لحماية الأنواع المهددة، على أنها عدوّة للمحميات.
محمياتنا لن ينقذها الضجيج. ينقذها وضوح الحدود، ولجان تملك الإمكانات، ودولة تتحمّل مسؤولية خياراتها. هذا هو النقاش الذي ندين به للأجيال المقبلة.











































































