اخبار لبنان
موقع كل يوم -جنوبية
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٥
لا أعرفه جيداً مباشرة، التقيته مرة واحدة فقط، وعن طريق الصدفة ، في تسعينات القرن الفائت، في إحدى المعارض التشكيلية، في معرض الفنان 'هرير' أو في معرض الفنان الراحل محمد شمس الدين إذا أسعفتتي الذاكرة.
رحل بالأمس القريب، قبل شهرين ونيف، جوزيف طرّاب ، الناقد التشكيليّ، والسينمائيّ، والممثل في المسرح الحديث، والرجل الذي وُصف بـ'اليهوديّ الأخير' في لبنان.
في ذلك اللقاء اليتيم مع طراب، تقرّبت منه بهدف التعارف، لما كان له من تأثير وصدى ثقافي في مساحة الفن التشكيلي، والنقد الفني الذهبي، على حد قول الناقد الراحل نزيه خاطر، عندما سألته عن طراب، فعرفني بأنه عبقري النظرة،شديد الإصغاء بروحه، لكل شاردة ووارد وغائبة وحاضرة في اللون واللوحة الفنية، على اختلاف مدارسها.
اليهودي البيروتي
وُلد طرّاب في بيروت التي 'جمعت كل الناس بلا تفرقة او تمييز دينيّ'. حاز اجازات في اكثر من اختصاص من فرنسا، وكتب منها اولى مقالاته ل'الأوريون' حول معرض فنّي لغطّاس لبنانيّ 'لم يزره احد بسبب ثورة ايار 1968'.
عاش أغلب حياته في منطقة الحمراء خلال الحرب الاهلية عام 1975 وما تبعها، ثم انتقل في الأعوام الأخيرة الى جونية، و سطع نجمه على صفحات 'لوريان لو جور' كألمع نقاد الحركة الفنيّة طوال عقود.
توقف عن الكتابة 2004 لكنه واصل نشاطه الابداعي، من خلال مساهماته في افتتاح صالات عرض، والإشراف على إصدار الكتب الفنّيّة، وكتابة مقدّماتها..
رحل طراب، تاركاً إرثاً كبيراً من الكتب المقالات التي كتبها في الصحف الناطقة بالفرنسية لا سيما الأوريان لوجور.
ونعته جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت: 'كان جوزيف طرّاب شاهدًا على مراحل مهمة من تاريخ الفن في لبنان، وساهم بإخلاص في تحقيق حداثة إبداعية ستظل رؤية مضيئة لوطن أحبه بصدق'.
جوزيف طرّاب الرجل الذي أسس وبنى هرماً ثقافياً ،سيبقى أثره على الثقافة اللبنانية في النصف الثاني من القرن العشرين محفوراً في الذكريات. طرّاب صنع تاريخاً ثقافياً للبنان، ساهم في ظهور الحداثة الفنية والفكرية، وأعطى البلاد رؤية جلية متجلية في الفضاء الثقافي اللبناني، وزخماً إبداعياً يستمر طويلاً.
أما نظرته الثاقبة للمجتمع، فتمثلت بنقده البناء والتزامه بحرية التعبير التي تغذي حقبة غنية بالتحولات، عند مفترق طرق التقاليد والابتكار.
ويمكن القول دون تردد، إن طرّاب هذا البيروتي بالصميم وحتى العظم تعرفت اليه في ثمانينات القرن الماضي،كما تعرّفت عليه وتأثرت بثقافته أجيال متعاقبة.
فخور بلبنانيته
كان يفاخر بلبنانيته وانتمائه المشرقي العربي، هو حفيد أحد أبرز حاخامات الطائفة اليهودية في بيروت يوسف الطرّاب، وهو الذي رفض مغادرة لبنان في زمن الحرب وتمسك بالدفاع عن قضية فلسطين.
بيروت له 'نقطة التقاء لأناس مختلفين سياسيا' قبل التصدّع الاجتماعي والاحترابي وصعود الميليشيات، لذلك بقي بين أهلها وناسها حتى منصف الثمانينات عندما قُتلت مجموعة من اليهود اللبنانيين، اضطر إلى مغادرة منزله في منطقة فردان والسكن منطقة جونية، وسئل عن سبب مغادرته لبنان، فأجاب أنه سافر إلى فرنسا لكنه عاد بسبب شمس لبنان وطبيعته وفضائه الواسع، عدا عن أن الصحافي جورج نقاش طلب منه أن يدير ملحقاً ثقافياً واقتصادياً لجريدة 'لوريان لوجور'.
يعرف عدة لغات وواسع الثقافة والقراءات. قبل انخراطه في الكتابة النقدية، درس طرّاب الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد.
وثق المشهد الفني والبصري اللبناني يومياً في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الفائت، وكان حداثياً مبكراً وشاهداً على حقبات مهمة من تاريخ الفن في لبنان وقد ساهم مع نزيه خاطر وسيزار نمور وسمير الصايغ وسيلفيا عجميان وفيصل سلطان ومهى سلطان في تأسيس جمعية النقاد التشكيليين في لبنان ALCA.
ثابر على الابداع وبقي يكتب ويجد ويجتهد على عمله في معهد غوته وفي الصحافة حتى توقف عن العمل فيها عام 2004.
وكذلك أشرف على إصدار الكتب الفنّيّة، وكتابة مقدّماتها، والمساهمة في افتتاح صالات عرض، آخرها 'غاليري مقام' مع صالح بركات عام 2009، التي حاولت إعادة الاعتبار لسوق الفن التشكيلي.
رحل طراب، تاركاً إرثاً كبيراً من الكتب المقالات التي كتبها في الصحف الناطقة بالفرنسية لا سيما الأوريان لوجور
قد تكون تجربته المسرحية مغيبة بسبب تفرّغه للفنون التشكيلية فحجبت تجربته المسرحية.
الماركسي الداعم لفلسطين
كان جوزف طراب، 'ماركسياً مستقلاً'، كما سمّى نفسه، ولعب دوراً في ثورة أيار 1968، في نهاية 1967، عُقد اجتماع في باريس مهرجان كبير حول القضية الفلسطينية اشترك فيه فرنسيون وعرب واسرائيليون.
جرى ذلك في ظل هزيمة 1967. واشترك طرّاب في هذا المهرجان بصفته ممثلاً للجنة فلسطين للطلاب اللبنانيين في باريس، وخلال هذا المهرجان تكلّم الكثيرون. المؤيدون لإسرائيل ركزوا على ما سموه اضطهاد الدول العربية لليهود، وجاء دور طراب فوقف وقال: 'أتكلم بصفتي يهودياً عربياً، أتكلم بصفتي يهودياً عربياً من لبنان، وصحتي جيدة'. وقال أنه لا مشكلة يهودية في الدول العربية، وهذه المشكلة، إذا وجدت، فسببها قيام اسرائيل، لا الدول العربية. كان طرّاب قبل تفرغه للنقد، مندفعاً للأفكار الثورية، ومناصراً بقوة للقضية الفلسطينية، وداعياً قادتها إلى تبني الأفكار الاشتراكية. ونشر ملحق النهار غلافاً عنوانه 'جوزف طراب: سجل أنا عربي يهودي'.
بعد عقود أمضاها في الكتابة لمصلحة صحيفة «لوريان لوجور»، فضلاً عن مشاركاته المسرحية ممثلاً مع روجيه عساف وجلال خوري وبرج فازليان وآخرين، ومخرجاً لمسرحية بولندية من النوع العبثي للكاتب فيتولد غومبروفيتش قدمها عام 1967 وتميّزت بحيوية إخراجها واستخدام الأدوات المسعفة للنص الذي منحه في الاقتباس عنوان «مزحة كئيبة».
كان قارئاً نهماً وامتلك مكتبةً ضخمةً قدّم جزءاً كبيراً منها، إلى «جامعة الروح القدس ــ الكسليك». وجمع لوحات غطّت جدران منزله، وقد باع عدداً منها بعد اعتزاله الكتابة لتأمين متطلبات حياته في مدة التقاعد التي أمضاها في منزله في منطقة جونية، بعدما اضطر عام 1985 إلى مغادرة منطقة رأس بيروت، ملعب طفولته وشبابه وحرفته النقدية والصحافية.
عاش طرّاب في زمن الرسامين الكبار، من بول غيراغوسيان وشفيق عبود وحسين ماضي، واشتهر بعينه التحليلية والثاقبة والدقيقة للوحة التي كان يقف أمامها
كتب وقيل فيه أنه «آخر اليهود» في لبنان، رفض مغادرة لبنان، قائلاً إنّه لم يستغنِ يوماً عن بحر بيروت وشمسها ونورها، وظلّ يشعر بانتمائه إلى لبنان.
ورغم أنه درس في شبابه الاقتصاد وعلم الاجتماع والفلسفة بين بيروت وباريس حيث أقام نحو خمس سنوات، إلا أنّ حكاية مثيرة أعادته إلى بيروت ناقداً تشكيلياً عقب مقال كتبه عن رسّام لبناني فطريّ غير أكاديمي يدعى محمد صقر كان نجّاراً وغطّاساً وصاحب شخصية ضاحكة وطريفة، شاء أن يقيم معرضاً للوحاته (كلها مستلهمة من عالم تحت الماء) في باريس،لكن ثورة 1968 الشهيرة أجهضت الحدث، إذ لم تُوزّع الدعوات وأمّت المعرض قلّة نادرة من الزوار، حينها شعر طرّاب بأن هذا الفنان ظُلم، فقرّر أن يكتب مقالاً عن لوحاته أرسله بالبريد إلى صحيفة «لوريان» في بيروت. يقول طرّاب إنّه اكتشف عبر هذا المقال أنّه يحسن قراءة اللوحة الفنية مثلما كان يقرأ قبلها الصورة السينمائية. ولدى عودته إلى لبنان، كلّفه جورج نقاش، ناشر صحيفة «لوريان» بتولّي تحرير ملحق للصحيفة متنوّع المادة، وانطلقت مذّاك مسيرته ناقداً فنياً وتشكيلياً في شكل خاص.
عاش طرّاب في زمن الرسامين الكبار، من بول غيراغوسيان وشفيق عبود وحسين ماضي، واشتهر بعينه التحليلية والثاقبة والدقيقة للوحة التي كان يقف أمامها مدوّناً ملاحظاته وانطباعاته حولها أسلوباً ومضموناً، لكي تكون مدوّناته ركيزة مقالاته الاحترافية والموضوعية. وما كان ــــ باعترافه ـــ يصادق الفنانين إلا بعد كتابة المقال الأول عن الفنان.
أنجز مؤلّفاً قيّماً عن الفنان الراحل بول غيراغوسيان، وعشرات الدراسات الفنية القيّمة باللغة الفرنسية، وعدداً من مقدمات الكتب لكتّاب آخرين. وقد أعطى مقالاته وبعض دراساته لـ «المكتبة الشرقية» كي تحفظها وتؤرشفها إلكترونياً.











































































