اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
خاص الهديل…
كهرمان…
ليس آذار مجرد شهر في الذاكرة السياسية الكردية، بل محطة مفصلية تكرّر فيها الوعد ثم الخذلان. ففي 11 آذار/مارس 1970، وقّعت الحكومة العراقية اتفاقاً تاريخياً مع الحركة الكردية، قُدِّم يومها بوصفه نهاية لحرب طويلة وبداية لعقد جديد من الشراكة الوطنية. وبعد أكثر من نصف قرن، عاد آذارالسنة الماضية ليحمل اتفاقاً آخر، هذه المرة في السياق السوري، بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي.
الفرق في الجغرافيا، لكن التشابه في القضية.
في الحادي عشر من آذار، جلست الدولة العراقية والحركة الكردية إلى طاولة واحدة. لم يكن حينها اللقاء اعترافاً متبادلاً بقدر ما كان اعترافاً بالعجز عن الإلغاء. نصّ الاتفاق على ما بدا آنذاك تحوّلاً كبيراً: قومية معترف بها، حكم ذاتي مؤجَّل التنفيذ، لغة رسمية، ومشاركة في مؤسسات الدولة. غير أنّ الكلمات التي كُتبت بحبر السياسة لم تُترجم إلى أفعال. فالدولة التي وقّعت لم تكن مستعدة للتخلّي عن مركزيتها، والحركة التي قبلت لم تكن تملك ضمانات تحمي الاتفاق من مزاج السلطة.
مرّت السنوات، وبقي التنفيذ مؤجّلاً، وكأن الزمن نفسه دخل في مرحلة انتظار؛ حبث قام النظام السابق بتوقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 مع شاه إيران والتي تم بموجبها منح نصف شط العرب إلى إيران مقابل وقف الشاه دعم الحركة الكردية. وأدى ذلك إلى انهيار الحركة الكردية وهروب أبرز قادتها إما إلى الجبال أو خارج البلاد.
وظل هذا الأمر حتى تسعينيات القرن الماضي بعد غزو العراق للكويت، حيث فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا منطقة حظر جوي تحمي الأكراد في ما سُمي 'منطقة الحكم الذاتي' ومن ثم 'إقليم كردستان' الذي أصبح منذ عام 1992 شبه مستقل عن بغداد.
بعد عقود، عاد آذار في سياق مختلف، لكن بروح مألوفة. في سوريا، لم يُوقَّع الاتفاق بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي لأن الخلافات حُلّت، بل لأن استمرارها بات مكلفاً للجميع. دولة تريد استعادة سيادتها، وقوة كردية تريد حماية ما راكمته، وواقع لا يسمح بانتصار نظيف لأي طرف. فكان الاتفاق أشبه بجسر هشّ فوق مياه متحرّكة.
حمل الاتفاق السوري عناوين عامة، تركت لكل طرف مساحة تأويله الخاص. تهدئة هنا، إدارة هناك، ووعود بمسار سياسي لاحق. لكنّ التفاصيل، كما في التجربة العراقية، بقيت معلّقة. التنفيذ يسير ببطء، الثقة غائبة، والخطاب يتبدّل بتبدّل الظروف. وكأن الجميع يتصرّف على قاعدة أن الاتفاق صالح ما دام يخدم اللحظة، لا ما دام يؤسس للمستقبل.
ما يجمع آذارين تفصل بينهما عقود ليس تشابه البنود، بل تشابه الذهنية. ففي الحالتين، وُقّع الاتفاق تحت ضغط الضرورة لا قناعة الشراكة. وفي الحالتين، بقي السؤال الحقيقي خارج النص: هل الدولة مستعدة للاعتراف بالتنوّع بوصفه جزءاً من بنيتها، لا استثناءً يجب ضبطه؟
التجربة العراقية قدّمت جوابها متأخراً، وبكلفة باهظة. فحين يُنقَض الاتفاق، لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه، بل تنحدر إلى مستوى أدنى. والاتفاق الذي لا يُنفَّذ لا يختفي، بل يتحوّل إلى ذاكرة مثقلة بالشك، تُلاحق أي محاولة لاحقة للتسوية.
اليوم، يقف آذار السوري أمام مفترق مشابه. فإما أن يتحوّل الاتفاق من هدنة مكتوبة إلى شراكة فعلية، أو يُضاف إلى قائمة الاتفاقات التي وُقّعت لتُستهلك، لا لتُبنى. وفي السياسة، لا شيء أخطر من اتفاق يُوقَّع من دون استعداد لتحمّل تبعاته.
هكذا، لا يبدو آذار شهراً للتسويات بقدر ما هو مرآة تكشف صدق النوايا. فالنصوص قد تتشابه، والظروف قد تتبدّل، لكنّ الامتحان يبقى واحداً: إمّا دولة تتعلّم من تاريخها، أو تاريخ يعيد نفسه بثمن أعلى.











































































